وحرمانها الدواء ، وبدأ الجوع آثاره على وجوه أولاده الصغار في تلك الفترة من الاحتجاز ، والجو الكئيب الملتف بالإرهاب قتل الابتسامة في وجوههم ، وقد طالت المدّة وتمادت ، ومع ذلك أبى قبول أبسط شروط السلطة لفكّ الحجز ، وقدّم مصلحة الإسلام والمرجعيّة على مصلحته الخاصّة ، وسترى تفاصيل ذلك فيما بعد .
من المؤكد أنّ السيد الشهيد رحمه الله كان يعرف موقع الشهداء الخمسة في التحرّك الإسلامي في العراق ، ودورهم الخطير والكبير في خدمة الإسلام لو استمر بهم العمر . فمثلًا المرحوم الشيخ عارف البصري كان من كبار علماء بغداد ، وفي مركز من أهمّ مراكزها وهو الكرّادة ، وكان محوراً كبيراً ، تغلغل في قلوب الناس وأعماقهم ، وكان من المتوقّع أن يودّي دوراً كبيراً في بعث حركة الوعي الإسلامي في بغداد . لو امتدّ به العمر .
وقد لا يصدّق البعض إذا قلت : إن صلة المرحوم الشيخ عارف البصري بالسيد الشهيد كانت ضعيفة جداً ، فلم يتفق أن زار السيد الشهيد ولا مرة واحدة طيلة المدّة التي قضيتها مع السيد الشهيد ، ولم يكن من وكلائه أو المحسوبين عليه ، ومع ذلك فإنّ القيم التي يتعامل على أساسها شهيدنا العظيم مع الأشخاص والمواقف أسمى بكثير من الاعتبارات الذاتيّة والملاكات الشخصيّة ذات الاتجاه العاطفي الأناني ، فهو يبكي على الشيخ عارف لا على أساس صلته الشخصيّة به ، بل على أساس صلته بالإسلام ودوره في مسيرة الجهاد نحو خدمة الرسالة .
وكنت خلال فترة الاحتجاز أخبر السيد الشهيد بإعدام أشخاص من المؤمنين - وكان لا يعرفهم - فكان يبكي ويقول :
( ( بأبي أنتم وأمي أيّها السعداء جزاكم الله عن الإسلام ، وعن أبيكم ، هنيئاً لكم ، لقد سبقتموني إلى لقاء الله ) ) .
وحينما بلغه نبأ إعدام الشهيد آية الله السيد قاسم شبّر ، والسيد المبرقع ،
شهيد الأمة وشاهدها — صفحة 139
مساهمون: الشيخ محمد رضا النعماني
ص١٣٩