بأيّ ثمن ، وظلّ يتحدّث حتى فهمت أن لديه رغبة في أن أقوم بهذه المهمة . فقلت له : أنا مستعد لذلك إن شاء الله فقام وأتى بمبلغ في حدود أربعمائة دينار ، وقال وزّع هذا المبلغ عليهم أو وفّر لهم الطعام في السجن من دون علم السلطة بمصدر المال ، وفي عصر نفس اليوم ذهبت إلى سوق النجف الكبير وهناك تمّ اعتقالي مع جماعة من الطلبة وكان المتوقّع أن انقل إلى بغداد ، إلا أن ذلك لم يحصل بسبب امتلاء سجون مديريّة الأمن العامّة بالمعتقلين ، وبعد مضي شهر تقريباً وبعد التحقيق تم الإفراج عنّا جميعاً بكفالة ، وكنّا نحن سجناء مديريّة أمن النجف آخر من افرج عنهم تقريباً « 1 » .
أمّا في بغداد ، فإن السلطة استقرّ رأيها على إعدام الشهداء الخمسة رحمهم الله والحكم بالحبس المؤبّد على مجموعة أخرى ، واعتقدت السلطة بأن هذه الضربة ستقضي على التحرّك الإسلامي في العراق ، أو تشلّه ولو لأمد من الزمن ، وعلى هذا الأساس اتخذ التحقيق طابعاً آخر ، فتقرر أنّ كلّ من يعترف - ولو اعترافاً صورياً - بانتمائه لحزب الدعوة الإسلامية يفرج عنه في نفس اليوم ، فوقع تحت تأثيرها هذا الإغراء الكثير منهم وتم الإفراج عنهم .
هامش
( 1 ) من صور الفداء والتضحية أن المرحوم الشهيد حجة الإسلام الشيخ عبد الأمير محسن الساعدي وهو أحد وكلاء السيد الشهيد كان معي في نفس المعتقل وكان ضابط الأمن يأخذه يوميا للتعذيب والتحقيق من دوننا ، وبعد التحقيق يعود وقد تلقى أنواع التعذيب ولم يكن أحد منا يعرف سبب ذلك ، إلا أنه كان يقول لي على سبيل المزاح : أنت السبب في كل هذا العذاب وأنت المسؤول عنه ، ولم أكن أعرف ما يقصده بكلمته هذه حتى كان اليوم قبل الآخير من تاريخ الإفراج عنا إذ دعيت مرة أخرى إلى التحقيق ، فقد تبين لي أن السلطة وقعت في اشتباه بيني وبينه ، فكان رحمه الله يعذب بدلًا مني ، وكان يعلم الاشتباه ولكنه لم يعترف لهم بالحقيقة ، بل ولم يخبرني خشية أن اعترف لهم بالحقيقة وبعد أن عدت من التحقيق والتعذيب خاطبني بعين ترقرق بالدمع وقال : والله كان بودي أن استمر على هذا الحال ولا يكشف أمرك ، أما وقد عرفوك فالمعذرة إلى الله .