كالنفوس ، فهذه الموجودات متحرّكة بحركة جوهريّة ، ولها وجودات سيّالة تدريجيّة تنتهي في حركتها إلى وجودات ثابتة غير سيّالة تستقرّ عليها ،
( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها )
( البقرة : 148 ) ، وهو ذلك التمام الذي تنتهي إليه الحركة وهو عالم التجرّد ، وهو المقصود لنفسه في العلل الفاعلة المحرّكة ، أمّا الحركة فهي مقصودة بالعرض .
النحو الثاني : أن يكون الفعل من الجواهر المجرّدة ذاتاً وفعلًا عن المادّة ، أي أنّ هذا الفعل ليس حركة ؛ لكونه مجرّداً تجرّداً تامّاً ، فهنا أيضاً توجد لهذا الفعل غاية ، وغايته هو نفسه ، أي : نفس الفعل ، ويكون الفعل والغاية واحداً .
بيان ذلك : إنّ الفعل بما هو فعل له مرتبتان :
مرتبة للفعل في رتبة العلّة ؛ لما تقدّم من أنّ العلّة واجدة لكمال المعلول بنحو أعلى وأشرف ، أي : واجدة لكمال المعلول بنحو البساطة - بسيط الحقيقة كلّ الأشياء - وبعبارة أخرى : إنّ الفعل في مرتبة العلّة هو حقيقة ، مقابل الرقيقة التي هي مرتبة الفعل وفي مرتبة المعلول .
وإذا تبيّن ذلك نقول : إنّ المراد من كون الغاية هي الفعل ، هو الفعل الحقيقة لا الفعل الذي هو الرقيقة .
إذ لو قلنا أنّ الغاية هي الفعل في مرتبة المعلول أي مرادنا من الفعل الرقيقة ، للزم تقدّم الشيء على نفسه ، لأنّ الفعل في رتبة المعلول ، وحيث إنّ العلّة الغائيّة في رتبة العلّة ، فإذا كان الفعل هو الغاية بمعنى الرقيقة ، لزم تقدّم الشيء على نفسه .
وهذا بخلاف ما لو كان مرادنا من اتّحاد الفعل مع الغاية هو الفعل في رتبة العلّة - أي الحقيقة - فلا يلزم تقدّم الشيء على نفسه كما هو واضح .
وتحصّل ممّا تقدّم : أنّ لكلّ فاعلٍ غايةً في فعله ، وهذه الغاية هي العلّة الغائيّة للفعل ، أي : هي الموجبة لإيجاد الفعل ، ولولا تلك العلّة الغائيّة لما وجد