وفي الصورة الثانية - أي : العلم مأخوذ من هذا الخبر مع بعض آخر من الأخبار - يلزم أن تكون الأخبار المتعدّدة والمتكثّرة سبباً لحصول العلم الواحد ، وهو غير ممكن ؛ لأنّه ينافي العكس في قاعدة الواحد لا يصدر إلّا من واحد ، وعلى هذا الأساس : فإنّ العلم اليقيني لا يحصل من المتواتر .
قال الآمدي : « المسألة الثالثة : اتّفقت الأشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على أنّ خبر التواتر لا يولّد العلم ، خلافاً لبعض الناس ، وقد اعتمد القائلون بامتناع ذلك على مسلكين ضعيفين : الأوّل : أنّهم قالوا : لو كان خبر التواتر مولّداً للعلم ، فالعلم إمّا أن يكون متولّداً من الخبر الأخير ، أو منه ومن جملة الأخبار المتقضّية : فإن كان الأوّل ، فهو محال ، وإلّا لتولّد منه بتقدير انفراده ، وإن كان الثاني ، فهو ممتنع ؛ لأنّ الأخبار متعدّدة ، والمسبّب الواحد لا يصدر عن سببين ، كما لا يكون مخلوق بين خالقين » « 1 » .
2 . موضوع علم الأصول
بحث الأصوليّون بحثاً مفصّلًا حول الدليل على وجود موضوع لكلّ علم ، وعدمه ، وطرحت ثلاثة أدلّة على اعتبار الموضوع ، وقد استدلّوا على ذلك بثلاثة وجوه ، وما يهمّنا في المقام هو الوجه الأوّل .
وحاصله : أنّ لكلّ علم غرضاً واحداً يتحقّق بمعرفة مسائله ، والمسائل بما هي كثيرة لا تؤثّر في الواحد بما هو واحد ؛ لأنّ الواحد لا يصدر إلّا من واحد ، فلا محالة تكون وحدة الغرض كاشفة عن وحدة المؤثّر فيه ، وهو موضوع العلم الجامع بين مسائله ، ويبتني على ذلك اعتبار وجود الموضوع في كلّ علم .
وممّن استدلّ بذلك صاحب الكفاية ، حيث قال : « إنّ موضوع كلّ علم
هامش
( 1 ) الإحكام في أصول الأحكام : ج 2 ، ص 23 .