ومن الجدير بالذكر : أنّ هذه الموارد الستة ذكرها الفخر الرازي في المباحث المشرقيّة لإبطال « استحالة الترجيح بلا مرجّح » ولكنّه في الوقت ذاته ذكر بأنّ هذه القاعدة مورد اتّفاق الحكماء ، حيث قال : « الحكماء اتّفقوا على أنّ الإمكان هو المحوج إلى السبب ، وبرهان ذلك : أنّ الشيء إذا كان يمكن أن يكون ، ويمكن أن لا يكون ، وكلا الجانبين بالنسبة إليه على السواء ، استحال أن يترجّح أحدهما على الآخر إلّا لسبب » « 1 » .
وفي كتاب الأربعين قال : إنّ العلماء - في تقرير هذه القاعدة - انقسموا إلى فرقتين :
الفرقة الأولى : اعتبرت هذه القضيّة من القضايا البديهيّة .
والفرقة الثانية : اعتبرت هذه القضيّة من القضايا النظريّة .
ثمّ نقل برهان القائلين بنظريّتها ، وبعد ذلك خدش في برهانهم ، حيث قال : « وللعلماء في تقرير هذه المقدّمة قولان : أحدهما : أنّها مقدّمة أوّلية بديهيّة . القول الثاني : أنّ هذه المقدّمة برهانيّة ، فأحسن ما قيل في هذا المقام : أنّ الاستواء والرجحان متناقضان متنافيان ؛ فلمّا ثبت أنّ ماهيّة الممكن مقتضية للاستواء ، فلو حصل الرجحان - أيضاً - لاجتمع النقيضان ، وهو محال .
وعندي : أنّ هذه الحجّة ضعيفة ؛ لأنّ التناقض إنّما يلزم لو كانت الماهيّة مقتضية للاستواء ، أو مقتضية للرجحان أيضاً ، أمّا من يقول : الماهيّة مقتضية للاستواء والرجحان فإنّه حصل لا لعلّة إليه لا لذاته ولا لغيره ، لم يلزم التناقض على هذا القول . . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) المباحث المشرقيّة : ج 1 ، ص 220 .
( 2 ) الأربعين في أصول الدين : ص 71