أخيراً من مثال رغيفي الخبز للجائع وطريقي الهارب ، حيث بيّنا سابقاً الخلط الواقع فيهما ؛ نوكل الحديث عنها إلى محل آخر .
إلى هنا خرجنا بهذه النتائج :
1 . إنّ الأفعال النفسانيّة تصدر عن النفس لا بإرادة مسبقة ، بل يكفي في صدورها الاختيار الذاتي الثابت للنفس .
2 . إنّ هذه الأفعال - كما هي غير مسبوقة بالإرادة - غير مسبوقة بمبادئها أيضاً ، فليس قبل صدورها تصوّر ، ولا تصديق ، ولا شوق ، ولا عزم ، ولا جزم .
3 . إنّ الأفعال القلبيّة اختياريّة للنفس بملاك الاختيار الذاتي الثابت لها .
وأمّا الدليل على ثبوت اختيار ذاتيّ للنفس فيكفي في ذلك :
أوّلًا : قضاء الفطرة والبداهة بذلك ، فإنّ كلّ نفس كما تجد ذاتها حاضرة لديها فهكذا تجد كونها مختارة ، وأنّ سلطان الفعل والترك بيدها ، ولها أن تقدم على عمل ، وأن لا تقدم عليه ، ولا شيء أظهر عند النفس من هذا الاختيار ، وإن أنكره الإنسان فإنّما ينكره باللسان وهو معتقد به .
وثانياً : أنّ فاقد الكمال لا يكون معطيه ، فالنفس واجدة للاختيار في مقام الفعل ، ويعدّ فعلها فعلًا اختياريّاً لأجل كونه مسبوقاً بالإرادة ، فمفيض الاختيار في مقام الفعل واجد له في مقام الذات ، وهذا نظير ما يقال : إنّ الصور التفصيليّة الظاهرة في الضمير من أفعال النفس ، وهي واجدة لها في مقام الذات ، فمن كانت له ملكة علم النحو ثمّ سئل مسائل كثيرة فأجاب عنها واحدة بعد الأخرى بأجوبة تفصيليّة ، فهي كانت موجودة في صميم الملكة وذات النفس بوجود بسيط إجمالي ، لا بوجود تفصيلي ، وهذا يدلّنا على أنّ كلّ ما يظهر للنفس في مقام الفعل والتفصيل - ومنه الاختيار - فهي واجدة
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 189
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص١٨٩