يحكم حكماً كلّيّاً بمجرّد عدم المرجّح في هذه الأمثلة الجزئيّة ، إلّا أن يكون منظورهم المناقشة مع خصمهم ، لا الاستدلال على الحكم الكلّي بها .
ثمّ إنّ الفاعل عند الأشعري هو الله تعالى ؛ حيث يقول بالجبر ، فالمرجّح لابدّ أن يكون عند الله تعالى ؛ لفعله ، لا عند العبد ، وكذا على مذهب أهل الحقّ القائلين بالأمر بين الأمرين ، فمطالبة المرجّح - الذي في نظر العبد خاصّة - يناسب مذهب التفويض ، وإليه أشار بقوله : إنّ لله في خلق الكائنات ، إلخ ، وبقوله : قدّر الله - سبحانه - وقضى ، أي : قدّر وقضى أنّه لو دخل الطريق الآخر افترسه سبع ، أو وقع في بئر ، أو غير ذلك ، فأذهبه الله تعالى إلى غير ذلك الطريق ؛ صوناً له ، فمن فوّض الفعل إلينا لا نضائق أن نكون في بعض الأفعال القريبة مسخّرين ، وأن يجري بعض أفعال الله تعالى أو الملك على أيدينا » « 1 » .
وأمّا العرفاء فقد تمسّكوا بهذه القاعدة لإثبات جملة من المسائل ، ومنهم : محمّد بن حمزة في شرح كلام صدر الدين قونوي ، حيث ذكر : عدم جواز تخلّف المعلول عن علّته التامّة ، وتمسّك بقاعدة : استحالة الترجيح بلا مرجّح .
وحاصل استدلاله : أنّه إذا تخلّف المعلول عن علّته لزم رجحان وجود الممكن بلا مرجّح ؛ لتساوي نسبة الأزمنة بعد التخلّف إلى وجود المعلول ، ثمّ ذكر : أنّه إذا لم يكن الترجيح بلا مرجّح محالًا ، يلزم عدّة إشكالات ، هي :
1 . انقلاب حقيقة الإمكان .
2 . تعدّد الواجب .
3 . حدوث الواجب « 2 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 2 ، ص 208 ، حاشية رقم ( 1 ) .
( 2 ) انظر : مصباح الأنس بين المعقول والمشهود : ص 26 .