لزم تركّب الواجب ، مع أنّه معنى عدميّ لا يصلح أن يكون جزءا للواجب . وإن كان هو الكون بشرط التجرّد لم يكن الواجب بالذات واجبا بذاته . وإن كان غير الكون في الأعيان ، فإن كان بدون الكون لزم أن لا يكون موجودا ، فلا يعقل وجود بدون الكون . وإن كان الكون داخلا فيه لزم التركّب [ 1 ] . والتوالي المتقدّمة كلّها ظاهرة البطلان . وإن كان الكون خارجا عنه فوجوده خارج عن حقيقته ، وهو المطلوب ، إلى غير ذلك من الاعتراضات .
ووجه اندفاعها : أنّ المراد بالوجود المأخوذ فيها إمّا المفهوم العامّ البديهيّ وهو معنى عقليّ اعتباريّ غير الوجود الواجبيّ الّذي هو حقيقة عينيّة خاصّة بالواجب ، وإمّا طبيعة كلّيّة مشتركة متواطئة متساوية المصاديق . فالوجود العينيّ حقيقة مشكّكة مختلفة المراتب ، أعلى مراتبها الوجود الخاصّ بالواجب بالذات .
وأيضا التجرّد عن الماهيّة ليس وصفا عدميّا ، بل هو في معنى نفي الحدّ الّذي هو من سلب السلب الراجع إلى الإيجاب .
وقد تبيّن أيضا أنّ ضرورة الوجود للواجب بالذات ضرورة أزليّة ، لا ذاتيّة ولا وصفيّة ؛ فإنّ من الضرورة ما هو أزليّة ، وهي ضرورة ثبوت المحمول للموضوع بذاته ، من دون أيّ قيد وشرط ، كقولنا : « الواجب موجود بالضرورة » .
ومنها ضرورة ذاتيّة ، وهي ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع مع الوجود لا بالوجود [ 2 ] ، سواء كانت ذات الموضوع علّة للمحمول ، كقولنا : « كلّ مثلّث فإنّ زواياه الثلاث مساوية لقائمتين بالضرورة » فإنّ ماهيّة المثلّث علّة للمساواة إذا كانت موجودة ، أو لم تكن ذات الموضوع علّة لثبوت المحمول ، كقولنا :
« كلّ إنسان إنسان بالضرورة أو حيوان أو ناطق بالضرورة » فإنّ ضرورة ثبوت الشيء لنفسه بمعنى عدم الانفكاك حال الوجود من دون أن تكون الذات علّة لنفسه .
هامش
( 1 ) وفي النسخ : « إن كان الكون داخلا لزم التركّب » . والصحيح ما أثبتناه .
( 2 ) راجع تعليقتنا على الفصل الأوّل من هذه المرحلة ، الرقم 32 .