وأمّا ثالثاً : فلمعارضتها مع الأخبار الدالّة على غير القصر والتمام من الأحكام ، كالتخيير مثلًا ، وهما كما عرفنا روايتان : موثّقة إسحاق وصحيحة منصور بن حازم .
ومقتضى معارضتها مع هاتين الروايتين هو تقييدها بها ؛ لكون كلّ منهما أخصّ من تلك الأخبار ، ومعه ننتهي إلى مثل ما انتهينا إليه سابقاً ، وخاصّة بعد تقييدها بمضمون كلتا الروايتين . فإنَّ مقتضى تقييدها بصحيحة منصور هو التكليف بالقصر إن لم يأتِ بالتمام ، وهو التخيير الذي أشرنا إليه . ومقتضى تقييدها بالموثّقة كون القصر مطلوباً في ضيق الوقت خاصّة . وبعد تقييده بكلا الأمرين ينتج التخيير في سعة الوقت وتعيّن القصر في ضيقه ، وهو الأمر الذي انتهينا إليه سابقاً لكن عن طريقٍ آخر .
لا يُقال : إنَّ هذا من انقلاب النسبة التي لا نقول بها ؛ وذلك لأنَّك تقيّد الأمر بالقصر بإحدى الروايتين أوّلًا ، ثمَّ تقيّد المضمون الناتج بالرواية الثانية .
فإنَّه يُقال : أوّلًا : إنَّ هذا ليس من انقلاب النسبة ، فإنَّ ما لا نقول به هو صيرورة الخاصّ خاصّاً بضمِّ دليلٍ ثالث إليه ، بعد كونه عامّاً من وجه مع معارضه بحسب الأصل . وأمّا هنا فالمضمون وهو وجوب القصر لو لاحظناه إلى أيٍّ من الروايتين بعينها ، فهو أعمّ منه ، وبعد تقييده بالرواية الأُخرى يبقى المضمون أعمّ أيضاً ، بحيث يمكن تقييده بالرواية الثانية ، وهذا ليس من ذاك كما هو واضح .
ثانياً : إنَّه لا حاجة إلى افتراض التقييد الطولي وإن كان ممكناً ، إلّا أنَّ التقييد العرضي بكلتا الروايتين ينتج نفس النتيجة أيضاً ؛ لتساوي نسبة الروايتين إلى العامّ ، وعدم تعارضهما في أنفسهما .
مدارك الآراء في إعتبار حال الوجوب أو حال الأداء — صفحة 179
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٧٩