الثاني : أن يراد من الخمر فيها معناه الأعمّ ، أي : طبيعيّ المسكر ، فلا يكون في لسان الرواية تنزيل أصلًا ، بل تكون في مقام بيان أمرٍ واقعيّ .
وإذا دار الأمر بين هذين الاحتمالين ، تعيّن الثاني على ما سيأتي .
وقد يتعيّن الأوّل « 1 » ؛ بدعوى أنَّه الأنسب بوظيفة الشارع ؛ ذلك أنَّ الاحتمال الأوّل يفرض كون المولى في مقام بيان التشريع ، بخلاف الثاني حيث يكون المولى في مقام بيان أمرٍ واقعيّ ، نسبته إليه كنسبة العرفيّ إليه ، وظاهر حال المولى هو الأوّل .
إلَّا أنَّ هذه القرينة في غير محلّها ؛ ضرورة أنَّه ليس للإسكار حدٌّ معيّن بحسب الفهم العرفيّ ، بل له مراتب متفاوتة ، قد لا يتوفّر بعضها في الأُمور الخمسة الواردة في الرواية ، كالفقاع فإنَّه لا توجد فيه المرتبة العالية من الإسكار ، ولذا كان جمهور المسلمين من العامّة يستعملونه بدعوى خلوّه عن المسكر « 2 » ؛ ذلك أنَّهم فسّروا السكر بفقدان العقل تبعاً لأئمّة اللغة « 3 » ، ولا يخفى : أنَّ الفقاع لا يُذهب العقل ، ولو كان بكميّات هائلة .
ولكنّ الظاهر : أنَّ السكر قد أُخذ في كلام الشارع بأقلّ مراتبه ، وهي
هامش
( 1 ) هذا جوابٌ على سؤالٍ لي ، قد عنونه دام ظلّه في مجلس الدرس وناقشه ( المقرّر ) .
( 2 ) صحيح البخاري 6 : 242 ، كتاب الأشربة ، باب الخمر من العسل ، وفتح الباري 10 : 35 ، باب الخمر من العسل ، وعمدة القارئ 21 : 170 ، باب الخمر من العسل ، ومواهب الجليل 4 : 350 ، باب المباح من الطعام ، والحاوي الكبير 17 : 381 ، باب من تجوز شهادته ، الحاوي في فقه الشافعي 17 : 186 ، القول في الأشربة التي لا تسكر .
( 3 ) أُنظر : كتاب العين : 309 ، باب الكاف والسين والراء معهما ، والصحاح : 687 ، فصل السين ، معجم مقاييس اللغة : 89 ، باب السين والكاف وما يثلثهما .