وهذه الرواية يُحتمل فيها احتمالان بارزان :
أحدهما : أن يكون الإمام عليه السلام بصدد أن يذكر وجهاً من وجوه الفرق بين النبيذ والخمر ، من حيث نجاسة الخمر وعدم نجاسة النبيذ ، فإنَّه عليه السلام ذكر أنَّ أصل النبيذ حلال ، ما يعني : أنَّ عنوان ( النبيذ ) في نفسه ليس من المحرّمات ، بخلاف الخمر ؛ فإنَّه بعنوانه من المحرّمات ، وعليه : فتكون الحليّة الأصليّة والطبيعيّة في باب النبيذ نكتة لطهارته على الإطلاق ، وأمّا الخمر ، فإنَّ حرمته الأصليّة والطبيعيّة تكون نكتة لنجاسته على الإطلاق ، فالمعيار في النجاسة والطهارة إذن إنَّما هو كونه بطبعه الأوّليّ حراماً أوليس بحرام ، فإن كان بطبعه الأوّليّ حراماً كان نجساً ، وإلَّا كان طاهراً .
ثانيهما : أنَّه عليه السلام يريد أن يقول : إنَّ أصل النبيذ حلال ، فليس فرض صدق عنوان النبيذ مساوقاً لثبوت الحرمة ، وبالتالي : فهو أيضاً ليس مساوقاً لفرض ثبوت النجاسة ، وهذا بخلاف عنوان الخمر ؛ فإنَّ فرض صدقه مساوق لفرض ثبوت الحرمة ، فيكون مساوقاً لفرض ثبوت النجاسة أيضاً ، فيوجد هنا حلقة ساقطة من التعليل ، ويكون المراد : أنَّ الأصل في النبيذ أن يكون طاهراً ؛ لأنَّ أصل النبيذ حلال ، بخلاف الخمر . ومن الواضح : أنَّه لا يلزم من ذلك أن يكون هذا النبيذ الذي نتحدّث عنه - وهو النبيذ المسكر - حلالًا .
ولعلّ هذا الاحتمال هو ما فهمه الشيخ الطوسي قدس سره من الرواية ، حيث إنَّه حملها على النبيذ غير المسكر .
ولكن لا إشكال في أنَّه خلاف الظاهر من الرواية ، فإنَّ الظاهر منها هو إرادة الاحتمال الأوّل ، وهو أنَّ الحليّة الأصليّة هي النكتة لكونه طاهراً - وإن كان حراماً فعلًا - لا الاحتمال الثاني ، الذي يقتضي أنَّها - أي : الحليّة الأصليّة -
كتاب الطهارة تقريرا لما أفاده السيد محمد باقر الصدر — صفحة 198
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٨