وأنَّه عليه السلام إنَّما ذكر صورة انحصار المكان من باب أنَّه أوضح حالات الاضطرار ، وإلَّا ، فهناك حالات أُخرى يثبت فيها الحكم نفسه أيضاً ، كأن لا يجد زماناً آخر .
وبالجملة : فإن كان هذا القيد - بحسب المتفاهم العرفيّ - لمجرّد الإشارة إلى فرض الاضطرار ، وأُلغيت خصوصيّة المكان التي دلّ عليها ، فإنَّ هذا التقريب الثاني لا يتمّ . وإنَّما يتمّ إذا أُخذ بما هو ظاهر فيه في نفسه ، وعندئذٍ : فلا بأس بالتمسّك بالإطلاق .
التقريب الثالث : أن يُستظهر - أساساً - من السؤال أنَّ نظر السائل كان إلى محذور النجاسة - كما هو مدّعى مَن استدلّ بهذه الرواية على النجاسة - فإنَّه يُفهم حينئذٍ من قوله عليه السلام :
« لا بأس »
: أنَّ المحذور الذي كان السؤال بلحاظه ، وهو النجاسة ، منفيّ وغير موجود في حال الاضطرار . والحال أنَّنا نعلم من الخارج - بالارتكاز المتشرعيّ - أنَّ النجاسة لا ترتفع في حال الاضطرار ، فلابدَّ من القول بأنَّها - إذن - لم تكن ثابتة من أوّل الأمر ، غاية ما هنالك : أنَّه - حينئذٍ - يتعيّن أن يُحمل نهيه الأوّل - أعني : النهي المستفاد من قوله عليه السلام :
« إن أصاب مكاناً غيره فليصلّ فيه »
- على إرادة النهي التنزيهيّ .
ولكن قد عرفت فيما سبق : أنَّه لا يمكن الجزم بظهور السؤال في كونه استفساراً عن النجاسة ؛ إذ إنَّ احتمال وجود مانعيّة وحزازة لزوميّة أو تنزيهيّة ، في المكان الذي فيه نداوة الخمر ، احتمال يَقرب خطوره على ذهن المتشرّعة ، فلعلّ السؤال إذن كان من تلك الجهة ، وبذلك الاعتبار ، ومعه : فلا ينعقد له ظهور في إرادة خصوص النجاسة .
كتاب الطهارة تقريرا لما أفاده السيد محمد باقر الصدر — صفحة 146
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٦