المطالبة به ، بل هو مخيّرٌ بين دفع القيمة والصبر ، فإن ثبت كان مقيّداً للدليلين لا محالة . وأمّا إذا لم يكن ثابتاً وبقينا نحن وبناء العقلاء ، فقد قيل : بما أنَّ بناء العقلاء ليس بحجّةٍ إلّا بعد ثبوت عدم ردع الشارع عنه ، وأنَّ إطلاق دليل السلطنة رادعٌ عنه ، فلا يمكن أن يكون مقيّداً له ؛ لأنَّ الدليل إنَّما يكون مقيّداً لبناء العقلاء الذي هو حجّةٌ ، وأمّا إذا كان عندنا بناءٌ ولا إطلاق للدليل على خلافه ليصلح للردع عنه ، فلا يكون حجّةً ، ولا يمكن أن يكون بناء العقلاء مقيّداً للدليل .
بناء العقلاء وتقييد دليل السلطنة
وأنت خبيرٌ : بأنَّ دليل السلطنة حكمٌ عقلائي ، وليس هو من قبيل الأدلّة التعبّديّة التي يتمسّك بإطلاقها حينما تكون على خلاف بناء العقلاء ، إلّا أنَّه مع كون دليل السلطنة حكماً عقلائيّاً يبني العقلاء على أنَّه عند تعذّر المثل عرفاً تسقط المطالبة بالمثل ، والحكم : إمّا الصبر وإمّا المطالبة بالقيمة ، والجمع بين هذين ينتج أنَّ دليل السلطنة قاصرٌ عن رفع هذا البناء ؛ لأنَّ العقلاء يرون السلطنة محدودةً في غير هذا المورد .
بعبارة أُخرى : إنَّ سلطنة الناس على أموالهم لمّا كانت عقلائيّةً ، لم يفهم من دليلها إلّا ما هو مرتكزٌ عند العقلاء ، والارتكاز العقلائي قرينةٌ على أنَّه يُراد منه ما هو مرتكزٌ عندهم ، أي : إنَّه منصرفٌ إلى ما هو المرتكز ، ولا إطلاق له إلى غيره ، وعليه فلا يكون صالحاً للردع . والعقلاء مع أنَّهم يقولون بالسلطنة يبنون على عموم إلزام الضامن بالمثل عند التعذّر ، وإذا كان دليل السلطنة على طبق حكم العقلاء ، فلا محالة لا يكون شاملًا لمثل المقام .