وفيه : أنَّ هذه المقدّمة لو تمّت ، لكفت في المقصود ، وهو جريان الاستصحاب ، فنقول : إنَّه وإن فهمنا من الشهرة أنَّ نفس المال ليس في العهدة بل عناوين أُخرى ، لكن هذه الشهرة بجواز المصالحة لا تثبت ذلك ما لم تكن هناك شهرةٌ أُخرى في أنَّ الربا في الصلح جائزٌ ، وهذا محلّ خلافٍ بين الأعلام « 1 » ، وفيه قولان : مشهور وأشهر ، فلم تثبت فيه شهرةٌ معتبرةٌ .
المُقدّمة الثانية : أنَّ مقتضى « على اليد » وإن كان هو وجود العين في العهدة بتمام خصوصيّاتها ، إلّا أنَّ اعتبار ذلك بعد التلف لغوٌ عقلائيّاً ، ولكن لا يلزم منه أنَّ القيمة المقدَّرة حين التلف تأتي إلى العهدة ، بل إنَّ صفات الجارية تأتي إلى الذمّة بقيّم غير مقدَّرةٍ بقدرٍ ، فماليّة الجارية هي الخدمة ، وماليّة الدار هي قابليّتها للسكنى ، فهذه المعاني هي التي تدخل في الذمّة .
فمن الممكن إذن أن يقول عددٌ من الفقهاء : إنَّ عنوان الانتفاع بالذهب والفضّة هو ما يأتي إلى العهدة ، وهو عنوان ما يكون رائجاً في المعاملات ، وهو ليس ذهباً ولا فضّةً ، والربا فيه جائزٌ .
ولابدَّ هنا من بيان أنَّ الضمان الذي أفتى به المشهور هو ضمان الذهب والفضّة بحيث يكون هذان النقدان في جميع الأزمنة فرداً منحصراً للأثمان ، وإلّا لأمكن انتزاع معنىً جامعٍ بينهما وبين غيرهما « 2 » .
هامش
( 1 ) أُنظر : جامع المقاصد 176 : 4 و 414 : 5 ، مجمع الفائدة والبرهان 351 : 9 ، جواز الصلح على أكثر من القيمة . جواهر الكلام 230 : 26 - 231 ، كتاب الصلح .
( 2 ) ينبغي أن يُقال على صدق اليد : إنَّ هذا الجامع ليس ثمناً عقلائيّاً بصفته معنىً عقليّاً ذهنيّاً ؛ لأنَّه إمّا أن ينظر إلى الذهن ، ولا نجد فيه إلّا الكلّي ، ولا يصلح أن يكون ثمناً ، وإن نظرنا إلى الخارج فهناك أفراد منها النقدان ومنها غيرها ، وكلٌّ يتبعه حكمه ( المقرّر ) .