نعم ، يبقى في المقام إشكالٌ آخر حاصله : أنّ ما ذُكر إنّما يتمّ في المجنون الذي يفيق والصبي الذي يبلغ ، وأمّا المجنون الذي لا يفيق أو الصغير الذي يموت قبل البلوغ فلا ؛ لعدم جريان الواجب المشروط والمعلّق بالنسبة إليهما .
ويمكن الجواب عنه : بأنّ القوانين الشرعيّة الإلهيّة ليست خطاباتٍ لكلّ فردٍ فردٍ ، بل هي قوانين كلّيّة شاملةٌ للناس جميعاً الجاهل بالحكم والعالم به ، القادر والعاجز ، الملتفت والغافل والنائم ؛ إذ لم يؤخذ في موضوع التكليف تمام حالات المكلّف ، بأن يكون بالغاً عاقلًا قادراً عالماً . ولذا قالوا بالاحتياط في موارد الشكّ في القدرة ؛ إذ لو كانت القدرة من قيود التكليف ، لكان الشكّ فيها شكّاً في التكليف ، مع أنّ زوال القدرة من الأعذار العقليّة ، فنلتزم حينئذٍ بتوجّه التكليف الفعلي إلى الفاقد لها . فإن لم نعلم أنّ التكليف مقدورٌ ، كان مقتضى الاشتغال وجوب الامتثال . وإنّما قيل بأنّ القدرة من الشرائط العامّة في التكليف من باب المسامحة في التعبير .
ونحوها الكلام في العلم ؛ لوضوح عدم اختصاص الأحكام بالعالمين ، بل الحكم عامٌّ شاملٌ للعالم والجاهل ، وإن لم يُعقل توجّه الخطاب إلى الجاهل والغافل والنائم ؛ لأنّ موضوع الخطاب هو الناس لا الأفراد ، والخطاب لا يشمل الجاهل والكافر والعاصي .
وكما أنّ القدرة شرطٌ عقلًا ، فكذلك نقول في المقام بأنّ الجنون والصغر من الأعذار العقليّة ، ولا نقول بأخذ العقل والبلوغ في موضوع الحكم ، مع أنّ التعبير برفع القلم عنهم لا يعني تخصيص الأدلّة بالنائم والمجنون والصغير ، بل إطلاق الأدلّة شاملٌ لهم ، غايته أنّ الرفع بلحاظ المؤاخذة أو بنحو المعذوريّة .
نعم ، المعذوريّة لا تصدق إلّا مع ثبوت التكليف لا مع عدمه ،
كتاب البيع تقريراً لما أفاده السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 362
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٦٢