والحال أنّ صيده وتسليمه متأخّرٌ عن العقد . ونحوه بيع السمك في البحر ؛ إذ لا منافاة فيه في نظر العرف والعقلاء .
وتوهّم تحديد ماهيّة البيع بالمعنى الضيّق المزبور - أي : تبادل الإضافات - فاسدٌ ، مع أنّ القيود والشروط لا تنشأ إلّا من تصفّح موارد عقد البيع ، وأنت خبيرٌ بأنّهم لو أرادوا تعريف البيع قبل حدوث الأثمان والنقود لما زعموا أنّه مبادلة عينٍ بعوضٍ .
وعلى هذا الضوء فلا ينبغي الإشكال في صحّة إباحة جميع التصرّفات حتّى التصرّفات الموقوفة على الملك في قبال عوضٍ ، فيأخذ الثمن ، ويحقّ له التصرّف فيه .
وأمّا الإشكال عليه بمقتضى الدليل الشرعي نحو قوله ( ص ) : « لا بيع إلّا في تملّكٍ » ( « 1 » ) وقوله ( ص ) : « لا طلاق إلّا فيما تملكه ، ولا بيع إلّا فيما تملكه » ( « 2 » ) ، ونحوهما ممّا دلّ على أنّ البيع لا ينعقد إلّا في ما هو مملوكٌ للبائع ، فخارجٌ عن محلّ الكلام ؛ لأنّ غاية ما يدلّ عليه بيان عدم نفوذ بيع مال غيره بدون رضاه ، فلا يقع بيعاً نافذاً فعليّاً ( « 3 » ) . وعليه فلا يمكن استفادة ما ذكر من الأدلّة الشرعيّة .
هامش
( 1 ) عوالي اللئالي 247 : 2 ، باب المتاجر ، الحديث 16 ، مستدرك الوسائل 230 : 13 ، كتاب التجارة ، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث 15209 .
( 2 ) عوالي اللئالي 205 : 3 ، باب التجارة ، الحديث 47 ، مستدرك الوسائل 230 : 13 ، كتاب التجارة ، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث 15210 .
( 3 ) لا ريب في توفّر الشرط في البيع المذكور ، أي : اتّصاف العوض بصفة المعوّض . وأمّا أصل البيع فمع وحدة البلاد الإسلاميّة لا معنى له ؛ لأنّ المال كلّه للمسلمين ، فليس ها هنا إلّا طرفٌ واحدٌ ، لا طرفان ليُقال بصحّة البيع فيه . نعم ، لو تعدّدت البلاد ولم نقل باختصاص كلّ بلدٍ بمالٍ معيّنٍ ؛ إذ يكون المال لبيت مال المسلمين شرعاً ، فالحكم كذلك . وأمّا لو قلنا بالاختصاص فللبيع وجهٌ وجيهٌ ، إلّا أنّه متوقّف على المصلحة العامّة حينئذٍ .
ثمّ إنّ الحاكم إن كان هو المعصوم ( ع ) وكان المال لبيت مال المسلمين ، فلا معنى للبيع أيضاً ؛ لاتّحاد طرفيه . وإن كان الحاكم هو الفقيه : فإن قلنا بولايته العامّة ، فكما هو مسلّطٌ على ما في يده من أموالٍ ، فكذلك هو مسلّطٌ على ما في يد غيره منها ؛ لوحدة الملاك فيهما ، كما هو ظاهرٌ ، أعني : كونها أموالًا للمسلمين ، فلا يقع الاختلاف في السلطنة ، حتّى لو قلنا بنفوذ البيع . وأمّا لو لم نقل بولايته العامّة حتّى في باب الأموال وكان للفقيه نحو اختصاصٍ بما عنده من أموال فيمكن تصوّر البيع بين الطرفين وتبادل السلطنتين ما لم تكن فتوى الفقيهين برجوع كلا المالين إلى بيت مال المسلمين ؛ فإنّه معه يمتنع البيع أيضاً . فقد تقرّر : أنّه لا يُعقل تصوّر البيع - في نظر سيّدنا الأستاذ - في صورة اختصاص المال ببيت مال المسلمين ؛ لاتّحاد طرفيه ، فتدبّر ( المقرّر ) .