ومن هنا ظهر أن الجعل أوضح من مثال الشبع في تطبيق هذه الفكرة باعتبار أن الشبع أمر تكويني لا يستطيع المشبع سحبه وإزالته ، أما الإمامة فيمكن إلغاؤها في أية لحظة ، فالجعل بالمعنى الثبوتي ، أي إرادة اتصاف إبراهيم ( ع ) بالإمامة مستمر ومجعول هذه الإرادة مستمر ، فلّما لم يسحبها فإرادته التي هي روح الجعل مستمرة والتلبس موجود ، ولعل المثال العرفي الأقرب إلى ذلك الوكالة فإذا وكلّت زيداً فهنا ثلاث حالات الأولى حال إنشاء الإيجاب والقبول والعنوان بهذا اللحاظ منقضي الآن ، وإن أريد به استمرار إرادة الوكالة فأني ( موكل ) زيد ، إلّا ان تحصل الحالة الثالثة وهي عزله عن الوكالة .
والخلاصة ان الله سبحانه وتعالى متلبس بوصف كونه ( جاعلًا ) ما دامت إرادته مستمرة في الجعل .
ومن المطالب التي أود الإشارة إليها في الآية قوله تعالى : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) فقد يستشكل في أهمية الإمامة المجعولة بعدة تقريبات :
الأول : إن الإمامة للناس هي عين الرسالة لهم .
الثاني : إن استقراء الآيات القرآنية يشعر أن عنوان الناس يستعمل في الطبقات المتدنية من المجتمع الذي يمكن تسميتهم بالهمج ، والإمامة على أمثالهم ليس أمراً عالياً في مقابل ما ورد في الآية على لسان فئة من المؤمنين : ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) « 1 » ، والمتقون درجة عالية فليست إذن
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : 74 .