وفيها دلالة على التنافي بين الطلب المتزايد للدنيا والحصول على الرضوان .
ومعه يتضح أن المراد من ( النساء ) والبنين هنا أعني في هذه الآية ، ليس هو مجرد الزواج ، بل هو الاستكثار منهن ، بقرينة ما ذكر بعد ذلك من الاستكثار من البنين والأموال المعدودة في الآية . ومعه يكون الاستكثار من النساء بصفته مصداقاً لكثرة طلب الدنيا ، أمراً مرجوحاً شرعاً . وهذا لا يستلزم أن يكون مطلق الزواج ولو بواحدة أو اثنين أمراً مرجوحاً . فما دل على رجحانه من الأدلة الآتية يبقى في محله .
وأما الإعراض عن الشهوات من القسم الأول ، يعني للحاجات المتعارفة لجميع الناس ، فهو من أقسام الزهد . وهو خاص بمن التفت إليه وأصبح له همة نحوه . طبقاً لقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) « 1 » وليس هذا الأمر عاماً بين الناس . كما سبق .
هذا ، ولا يبعد أن يكون الإعراض عن الزواج أو تأخيره ونحو ذلك نحواً من الزهد مع الوثوق بالنفس في عدم الوقوع في أي حرام أو مرجوح . مع الاعتراف أن هذا على الشاب صعب جداً . ولا يبعد أن تكون هذه الصعوبة هي التي قلصت الوضوح الشرعي في النصوص المنقولة في استحباب الزهد لبعض الناس في النكاح . لأنه بلا شك أصعب من الزهد في الطعام والشراب . فلم يكن من الحكمة بيانه والتركيز عليه .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : 69 .