المستوى الثالث : إن هذا الزهد لا يعني غالباً : البعد عن المجتمع والانصراف عن الاختلاط بالناس . وإن كان قد يحدث أحياناً ، وبصورة مؤقتة لبعض الأشخاص .
غير أن الصحيح هو أن الطعام والشراب من ناحية واللباس والسكن من ناحية ثانية ، والاختلاط بالمجتمع من ناحية ثالثة ، كل منها لها أحكامها وترتيبها في الشريعة ، ولا يمكن خلط بعضها في بعض وتحميل حكم بعضها على بعض . فإذا حكمنا مثلًا برجحان الزهد في المطعم والملبس لا يعني الزهد من ناحية العلاقات الاجتماعية .
المستوى الرابع : أنه يمكن أن نقدم للآية الكريمة خطوات من الفهم بحيث لا يكون مؤداها بعيداً عن المفهوم العام .
الخطوة الأولى : إن قوله تعالى ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ ) استفهام استنكاري ، يفيد النفي . وقد يراد أنه لا أحد غير الله حرّمها إذ ليس لأحد حقّ التشريع سواه .
الخطوة الثانية : إن قوله تعالى ( زِينَةَ اللّهِ ) لا يريد به الطعام والشراب ، بل ولا اللباس والعطور ، وإنما يراد به أمور معنوية بعضها ظاهر كمنظر الوقار والرشد ، أو بهاء الوجه ، وبعضها نفسي أو قلبي لا يراه العامة .
الخطوة الثالثة : إن قوله تعالى : ( الْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) . لا يراد بها الطيّب أو اللذة الدنيوية النظر أو الشم أو الذوق . لأن كل الطيبات الدنيوية لا شك أنها منوطة ومخلوطة بالكدر والنقصان والمصاعب . وإنما الطيبات الحقيقية هي الطيبات المعنوية النورية التي لا كدر فيها ولا ظلام . فتلك هي
الأنظار التفسيرية — صفحة 322
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٢٢