تقول : ثم قال : يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة .
وكلها - في الأغلب - تستدعي الاختلاط بالناس ، والدخول في معمعة المجتمع وعدم الانعزال عنه .
إذن فالرهبانية هنا قد جُردت من مفهوم الانعزال والوحدة ، وبقيت مقتصرة على فكرة الرهبة التي هي الخوف المتعالي من الله عزّ وجلّ .
ومن المعلوم أن المهم أمام الله عزّ وجلّ هو التكامل . وهذا التكامل له أحد أسلوبين :
الأسلوب الأول : الانفراد لذكر الله عزّ وجلّ وعبادته .
الأسلوب الثاني : أداء الخدمات الإنسانية للآخرين في حدود طاعة الله عزّ وجلّ .
ومهما يكون الأسلوب الأول قد يكون أقرب إلى النفس وأقرّ للقلب والعين . إلّا أن الأسلوب الثاني يضمن التكامل للفرد مع الإخلاص وحسن النية أسرع بكثير ممّا يضمنه له الأسلوب الأول . لأن الفرد يكون فيه في امتحانات دائمة ومختلفة ، تجاه مختلف الأفراد والجماعات ذوي الآراء المختلفة والتصرّفات المتباينة والمستويات المتعددة ، الأمر الذي يجعله تحت المحك مباشرة . فيكون مثاله : كالذهب الذي لا ينقى إلّا بالنار .
ومن المعلوم أن التكامل الذي يحدث نتيجة للتعب والامتحان أسرع وأعلى من التكامل الذي يحدث نتيجة للراحة والاستسلام الذي يوفّره للفرد الأسلوب الأول .
الأنظار التفسيرية — صفحة 295
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٩٥