وأما القول : بأن علم المهدي بهذه الأحكام يكون بطريق إعجازي ، كالإلهام ونحوه ، كما ذكر ابن عربي في الفتوحات « 1 » فهو غير صحيح لأمرين :
الأمر الأول : إن هذا يتضمن معنى النبوة ، فإننا نعني بالنبوة نقل الأحكام من اللّه تعالى بلا واسطة بشر ، وهذا المعنى يكون ثابتا للمهدي . مع العلم أنه لم يدّع أحد أنه نبي ، ولا يجوز ذلك في شرع الإسلام .
الأمر الثاني : إن هذه المعجزة منافية مع قانون المعجزات لعدم انحصار إقامة العدل بها ، لوضوح إمكان إبدالها بالفهم الإمامي للمهدي ليكون نقل الأحكام عن طريق الرواية بشكل ( طبيعي ) .
وأما ما أثبتناه للإمام في التاريخ السابق « 2 » من وجود الإلهام ، فهو لا محالة ، خاص بالأساليب القيادية التي تمت إلى الوقائع الخاصة ونحوها بصلة ، لا إلى الأحكام الأصلية في الدين .
فإذا كان من المقدر أن يكون الحكم المعين الجديد المعلن في دولة العدل العالمية المهدوية حكما أصليا وثابتا ، شأنه شأن وجوب الصلاة أو حرمة السرقة ، فمثل هذا الحكم لا يمكن أن يتلقاه المهدي ( ع ) مباشرة عن اللّه عز وجل بالإلهام ، والا ثبتت له مرتبة النبوة والرسالة ، المنفية عنه بضرورة الدين ، وإنما يكون ذلك بالرواية فقط . ويكون الإلهام مساعدا له فيما دون ذلك من الأشياء من خصائص القيادة العالمية .
الموقف الثاني : موقف المهدي ( ع ) من الأحكام التالفة .
وهو أيضا واضح جدا . فإن المفروض أن هذه الأحكام كانت معلنة في صدر الإسلام ، فهي لا تحتاج في فهمها إلى العمق الجديد في التفكير ، وإنما كان فقط ، تحتاج المحافظة عليها وعدم إتلافها ، إلى مستوى معين من القدرة الدفاعية والشعور بالمسؤولية لدى المسلمين ؛ الأمر الذي كان مفقودا خلال أجيال المسلمين التي فقدت هذه الأحكام .
والمهدي ( ع ) - بالفهم الإمامي - يكون عارفا بهذه الأحكام عن طريقين :
الطريق الأول : الرواية عن آبائه عن رسول اللّه ( ص ) عن اللّه عز وجل .
الطريق الثاني : معاصرة هذه الأحكام قبل تلفها ، حين كانت معلنة ومعروفة . وقد
هامش
( 1 ) انظر الفتوحات المكية ، ج 3 ص 327 وما بعدها .
( 2 ) تاريخ الغيبة الكبرى ص 505 .