جاءت أجيال جديدة بعد تلف تلك الأحكام غير مسبوقة بمضمونها ولا عارفة بحقيقتها . . . ولكن المهدي ( ع ) وحده هو الذي كان معاصرا لتلك الأحكام ، وبقي حيا إلى حين ظهوره ، فهو معهود بمضمون تلك الأحكام بالمباشرة ، فيمكنه إعلانها من جديد بعد الظهور .
الموقف الثالث : موقفه من الأحكام الظاهرية .
وهو موقف واضح أيضا ، بعد الذي عرفناه من أن الأحكام الظاهرية ، تعني تعيين تكليف الإنسان من الناحية الإسلامية ووظيفته في الحياة عند الجهل بالحكم الواقعي ، ذلك الجهل الناشئ من البعد عن عنصر التشريع .
وأما إذا كان الفرد مطلعا على الحكم الإسلامي الواقعي ، فيحرم عليه العمل بالحكم الظاهري . والمهدي يعلن الأحكام الواقعية الإسلامية بأنفسها « يظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه ، ما لو كان رسول اللّه ( ص ) لحكم به » على ما قال ابن عربي في الفتوحات .
وأما عند الإمامية ، فالمهدي ( ع ) هو إمامهم الثاني عشر ، والأئمة المعصومون الاثنا عشر عليهم السلام ككل ، بمن فيهم المهدي نفسه ، هم مصادر التشريع ، يمثل قولهم وفعلهم القسم الأكبر من ( السنة ) في الإسلام . فيكون الحكم الذي يعلنه المهدي ( ع ) حكما واقعيا بطبيعة الحال . . .
نعم ، يبقى العمل بالأحكام الظاهرية موجودا في الموارد الجزئية التي قد يشك فيها المكلف أو يجهلها من وقائع حياته ، ومعه فالحكم الظاهري سوف يرتفع في التشريع الأصلي ويبقى في بعض التطبيقات الجزئية .
الموقف الرابع : موقفه من النقص الرابع ، وهو عدم وصول بعض الأحكام الإسلامية إلى مستوى التطبيق في عصر ما قبل الظهور .
يقوم المهدي ( ع ) بنفسه بتطبيق الأحكام العامة ، فيؤسس الدولة العالمية العادلة الكاملة ، ويقوم برئاستها وإدارة شؤونها وتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة ، بمستواها العميق الجديد ، فيها .
وأما الأحكام الخاصة التي تمت إلى الأفراد بصلة ، فيقتل كل عصاتها ، ولا يبقى إلا ذاك الإنسان الذي يكون على استعداد لإطاعة الحكم العادل وتقديمه على كل مصالحه الشخصية الضيقة .