وأوضح دليل على هذا الانقسام : أننا نجد بالوجدان أن عددا مهما من الأحكام لم يكن في الإمكان أن يصدر في صدر الإسلام وزمن القادة الإسلاميين الأوائل لعدم معرفة المجتمع بموضوعها بالمرة ، وعدم مناسبتها مع المستوى الفكري والثقافي له . . . كحكم ركوب الطائرة واستعمال القنابل الجرثومية وحكم زرع القلب وغير ذلك .
ومعه ، فالضرورة مقتضية لتأجيل بيان هذه الأحكام وإعلانها إلى ما بعد معرفة المجتمع بموضوعاتها ، وهذا لا يكون مع البعد عن مصدر التشريع بطبيعة الحال ، وإنما تعلن عند اتصال البشرية مرة ثانية بهذا المصدر متمثلا بالإمام المهدي ( ع ) .
المورد الثاني : الأحكام التالفة على مر الزمن ، والسنة المندرسة خلال الأجيال ، مما يتضمن أحكام الإسلام ومفاهيمه أو يدل عليها .
فإن ما تلف من الكتب التي تحمل الثقافات الإسلامية على اختلافها ، بما فيها أعداد كبيرة من السنة الشريفة والفقه الإسلامي ، نتيجة للحروب الكبرى في التاريخ الواقعة ضد المنطقة الإسلامية ، كالحروب الصليبية وغزوات التتار والمغول وغير ذلك . . . عدد ضخم من الكتب يعد بمئات الآلاف ، مما أوجب انقطاع الأمة الإسلامية عن عدد مهم من تاريخها وتراثها الإسلامي ، واحتجاب عدد من الأحكام الإسلامية عنها .
المورد الثالث : أن الفقهاء حين وجدوا أنفسهم محجوبين عن الأحكام الإسلامية الواقعية في كثير من الموضوعات المستجدة ، والوقائع الطارئة على مر الزمن . . . اضطروا إلى التمسك بقواعد إسلامية عامة معينة تشمل بعمومها مثل هذه الوقائع . . . وهي قواعد إسلامية صحيحة تنقذ الفرد عند جهله بالحكم وتعين له الوظيفة الشرعية إلا أن نتيجتها في كل واقعة ليست هي الحكم الإسلامي الواقعي أو الأصلي في تلك الواقعة ، وإنما هو ما يسمى بالحكم الظاهري ، وهو يعني ما قلناه من تحديد الوظيفة الشرعية للمكلف عند جهله بالحكم الواقعي الأصلي .
وهذا النوع من الأحكام الظاهرية أصبح بعد الانقطاع عن عصر التشريع وإلى الآن مستوعبا لأكثر مسائل الفقه أو كلها تقريبا ما عدا الأحكام الواضحة الثبوت في الإسلام .
والفتاوى التي يعطيها الفقهاء في مؤلفاتهم ، وإن لم تكشف عن هذا المعنى بصراحة ، وإنما نراهم يعطون الفتوى عادة بشكل قطعي ، مشابه لإعطائهم الفتوى بالحكم الواقعي الأصلي . إلا أن مرادهم بقطعية الحكم : قطعية الحكم الظاهري ، أي : أن هذه الفتوى هي غاية تكليف المكلفين في عصر الاحتجاب عن عصر التشريع . وهي الفتوى التي
موسوعة الإمام المهدي ( ع ) ( تاريخ ما بعد الظهور ) — صفحة 445
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٤٥