الناحية الثانية : [ فهم الأخبار ككل ]
في محاولة فهم هذه الأخبار ككل ، على تقدير صحتها وكفايتها للاثبات التاريخي . ويكون فهمنا هذا تتمة - بشكل وآخر - للفهم العام الذي ذكرناه للسفياني .
ان المهدي ( ع ) مع خاصة أصحابه حين يهربون من وجه جيش السفياني لمبعوث ضدهم . . . من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة ، يصبح من الواجب على أهل مكة نصرته ، بحسب تكليفهم في نصرة المؤمنين المظلومين ضد الظالمين ممن كان على شاكلة السفياني .
ولكن لن يكون لأهل مكة استعداد للنصرة ، اما لأجل اختلاف مذهبهم عن مذهب المهدي ( ع ) في الإسلام ، واما لأجل خوفهم من سطوة السفياني وسلطته .
وحسبنا اننا سمعنا أن السفياني دخل الحجاز من دون مقاومة عسكرية ، لمدى الرهبة والخوف الذي زرعه في النفوس . ومن هنا يحافظ أهل مكة على مصالحهم الخاصة وينكمشون ضد المهدي ( ع ) . . . اعني : بعنوانه المعلن وان جهلوا حقيقته .
ويعلم الإمام المهدي ( ع ) بعدم استعدادهم لنصرته . فيقول لخاصته : يا قوم ، ان أهل مكة لا يريدونني . ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم ، بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم .
ويكون هذا الاحتجاج اتماما للحجة عليهم ، ومواجهة صريحة لهم بالموقف حتى لا يبقى منهم غافل أو مماطل .
ومن هنا يفكر المهدي ( ع ) بأن يرسل شخصا من قبله إلى أهل مكة ليقوم بهذا الاحتجاج . فيدعو بعض أصحابه ، وهو من الهاشميين ومن المخلصين الممحصين ، على ما سنعرف الوجه فيه . . . ويحمله رسالة شفوية معينة ، ويأمره بأن يخطب بها في المسجد الحرام بين الركن والمقام وقد سمعنا نص الخطبة في الأخبار .
وينبغي هنا أن نلاحظ أنه حين يقول : انا رسول فلان إليكم . . . لا دليل على أنه يورد اسم المهدي ( ع ) بحقيقته ويعرف المخاطبين أنه هو المهدي الموعود ، بل لعله يورد الاسم أو العنوان المعلن اجتماعيا له ( ع ) في ذلك الحين .
وما أن يسمع أهل مكة هذه الخطبة ، حتى يجتمعون عليه ويقتلونه بين الركن والمقام قرب الكعبة المشرفة في بيت اللّه الحرام . ولعلهم يقطعون رأسه ويرسلونه إلى الشام ، إلى السفياني ، ليكون لهم الزلفى لديه .