. . . بالرغم من ذلك ، فإن للحضارة المادية انقساماتها الداخلية التي تجعلها في معرض الصراع الداخلي ، الذي يكون في الأعم الأغلب عنيفا وعميقا . وهذا الانقسام هو المعبر عنه بمفهوم ( يأجوج ) مرة ومفهوم ( مأجوج ) أخرى .
وهذا الانقسام ليس حديثا ، بل هو قديم قدم المادية نفسها . فالمادية البدائية ، كانت منقسمة ، وكان انقسامها مشوبا بالشعور القبلي . والمادية ( التقدمية ) منقسمة ، ولكن انقسامها ايديولوجي ومصلحي معا .
الجواب الثاني : إن مفهوم الدجال يمثل المادية الحديثة . . . ولذا لم ينقل عنه قبل الإسلام أي وجود . وإنما بدأت إرهاصاته - حسب إفادات الأخبار التي عرفناها في التاريخ السابق « 1 » - بعد بدء الإسلام ، وكان وجوده الكامل متأخرا عنه بألف عام .
وأما مفهوم ( يأجوج ومأجوج ) فهو يمثل الخط المادي بتأريخه الطويل . ولذا كان له وجود بدائي ووجود حديث . ولم يخل التاريخ المتوسط بينهما من التأثيرات والإرهاصات .
وهذا يعني أن الوجود الحديث ليأجوج ومأجوج ، هو الدجال نفسه ، وليس شيئا آخر .
الجواب الثالث : إن مفهوم يأجوج ومأجوج ، يعني الحضارتين الماديتين بوجودهما الأصيل . وأما عنوان الدجال فلا يعني ذلك بالضبط ، وإنما النظر فيه إلى نقطة تأثر المسلمين بتلك الحضارة المادية . فالدجال يعبر عن عملاء تلك الحضارة في البلاد الإسلامية ، وهم متصفون بنفس أوصافهم ومتخذون نفس منهجهم في الحياة . . . وكثيرا ما مارسوا الحكم وزرعوا الشبهات ، وحاولوا فك المسلمين عن دينهم وإبعادهم عن طريق ربهم .
ويؤيد ذلك اتخاذ مفهوم الدجال ، الدال على أنه مسلم بالأصل ، ولكنه أصبح كافرا ومنحرفا ، يدعو الناس إلى الكفر والانحراف ، وقد ينطلق في إثبات أفكاره في الأذهان عن طريق الخداع والتمويه ، باستعمال المفاهيم الإسلامية بشكل مشوه ومستغل للمنافع الشخصية والنتائج الباطلة . كما يدل عليه الحديث الذي أخرجه أبو داود « 2 » ، قال : قال رسول اللّه ( ص ) : من سمع الدجال فلينأ عنه ، فو اللّه إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن ، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات .
هامش
( 1 ) انظر ص 644 .
( 2 ) انظر السنن ج 2 ص 431 .