قوله تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ :
رآه فعلٌ ومفعولٌ به ، والفاعل ضميرٌ مستترٌ ، فتكون الآية مجملةً من هذه الناحية .
ويقع الكلام هنا في أنَّ هذا الفاعل مَن هو ؟ ويمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ :
الوجه الأوّل : أن يكون الفاعل هو النبي ( ص ) ، أي : هو الرائي ، والمفعول به ( المرئي ) هو جبرائيل ، ويعضد هذه الأُطروحة الروايات الدالّة على أنَّ النبي ( ص ) رأى جبرائيل على حقيقته « 1 » ، وهو المقصود من الأُفق المبين ؛ لأنَّه في ذلك الأُفق يمكن رؤيته على حقيقته دون سائر الآفاق .
وقد يدافع المشهور عن هذه الأُطروحة فراراً من أن يكون المعنى أنَّ النبي هو الفاعل ( الرائي ) والله سبحانه هو ( المرئي ) ؛ لأنَّ فيه شبهة الرؤية البصريّة المادّيّة لله التي هي مستحيلةٌ ، وإن أمكن توجيه هذا المعنى كأُطروحةٍ .
الوجه الثاني : أن يكون الفاعل ( الرائي ) هو النبي ( ص ) والمفعول به ( المرئي ) هو الله سبحانه ، وذلك ليس بالرؤية المادّيّة ، بل بالرؤية القلبيّة ، نظير ما ورد : « يا علي ما عرف الله إلّا أنا وأنت » « 2 » ، والمعرفة في تلك المراتب العليا بمنزلة الرؤية . والمراد بالأُفق المبين أمرٌ لا نفهمه ، ولعلّه ما يصطلح عليه بعالم اللاهوت ، لكن لا يعني ذلك أنَّ الله موجودٌ في عالم اللاهوت أو في الأُفق
هامش
( 1 ) أُنظر : الصراط المستقيم 3 : 1 ، شرح نهج البلاغة 428 : 6 ، الخطبة 90 ، متشابه القرآن 101 : 1 ، وغيرها .
( 2 ) تأويل الآيات : 145 ، سورة النساء ، وقريبٌ منه - مع اختلافٍ في اللفظ - ما رواه في المناقب 267 : 3 ، فصل : في المفردات ، وكتاب سليم : 853 ، الحديث 44 .