ومن هنا يمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في فهم الآية :
الأُطروحة الأُولى : أن يكون قوله تعالى : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ إشارةً إلى العقل ، وأنَّ مدركاته مطابقةٌ للواقع ، وليست جنونيّةً أو وهميّةً .
الأُطروحة الثانية : أن تكون الآية إشارةً إلى الإمام المعصوم أو المرشد العامّ .
الأُطروحة الثالثة : أن تكون الآية إشارةً إلى الهادي والمرشد في كلّ عصرٍ ، وهو من يريد إهداء غيره إلى سواء السبيل ، فيقول له الطرف الآخر : أنت مجنونٌ .
الأُطروحة الرابعة : أن تكون الآية إشارةً إلى المدرِّس للدروس الحقّة المطابقة للقواعد الصحيحة .
الأُطروحة الخامسة : أن تكون الآية إشارةً إلى قلب المؤمن الذي يحبّ في الله ويبغض في الله ، ويعرض عن الدنيا كإعراض المجنون حتّى يُقال عنه بأنَّه مجنونٌ ؛ لأنَّه يتنازل لغيره مائة بالمائة مثلًا ، أو لأنَّ موازينه تختلف عن موازين مَن يسمّون بالعقلاء ؛ إذ العقل « ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان » « 1 » ، وليس العقل ما اكتسب به المال أوالشهرة أو العداوة أو الكلام الفضول ، بل هذا هو الجنون بعينه .
وفي المقام دفع دخلٍ حاصله : أنَّه يُلاحظ أنَّه بحسب القرينة القرآنيّة لا يريد الله من قوله : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ أنَّ الفاسدين أيضاً ليسوا بمجانين ؛ فإنَّ من يُعلّم الناس الباطل لا يُقال عنه : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ، بل يختصّ ذلك بتعليم الهداية ، وهو ممّا أُشير إليه بحسب قرينة الحال والمقال في القرآن الكريم .
هامش
( 1 ) الكافي 11 : 1 ، كتاب العقل والجهل ، الحديث 2 ، والمحاسن 195 : 1 ، باب العقل ، الحديث 15 ، معاني الأخبار : 239 ، باب معنى العقل ، الحديث 1 ، وغيرها .