تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
والأغلب الغليظ الرقبة . يُقال : رجل أغلب وامرأة غلباءٌ وهضبةٌ غلباءٌ كقولك : هضبةٌ عنقاءٌ ورقباء أي : عظيمة العنق والرقبة ، والجمع غلبٌ . قال وَحَدَائِقَ غُلْباً « 1 » . أقول : لم يجد الراغب في تفسير الغلبة معنى سوى القهر ، مع أنَّ هذا المعنى لا يتوفّر في الكثير من استعمالات المادّة ، وليس كلّ غالبٍ قاهراً إلّا في الحروب . والظاهر : أنَّ الغلبة نجاح التجربة في السيطرة على الطرف الآخر بالنحو المطلوب ، فيكون غالباً ، سواء كان في حربٍ أو في دربٍ أو تجارةٍ أو مناقشةٍ ، كما لو غلب شخصاً آخر في النقاش بقوّة الاستدلال ، فهو غالبٌ . ومنه سُمّي الرجل الشاهق بالغالب ؛ لأنَّه مسيطرٌ على أذهان الناس والمجتمع . ومنه قولنا : ( غالبا ) أي : في الحصّة الكبيرة والمسيطرة من الزمان أو المكان . وقوله : غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا « 2 » أي : سيطرت علينا شهواتنا وأوصلتنا إلى الشقاء والعذاب . والظاهر : أنَّ غليظ الرقبة سمّي أغلب ؛ لأنَّ المجتمع والعرف يتصوّر لا شعورّياً أنَّ المسيطر غليظ الرقبة ؛ لأنَّه ضخمٌ مثلًا ، وهذا وهمٌ غالبٌ . وإذا رجعنا إلى فهم الآية وَحَدَائِقَ غُلْباً لوحظ أنَّ الوصف فيها للحدائق لا للأشجار ، ومن هنا لا نوافق صاحب « الميزان » في تفسير الآية بأنَّها الأشجار العظيمة « 3 » ، فأرجع قوله : ( غُلباً ) إلى الأشجار ، وهو لا يخلو من تسامحٍ . بل المراد أنَّ نفس الحدائق في غلبةٍ ، أي : إنَّها ذات نوعٍ من السيطرة ، يعني : أنَّها
هامش
( 1 ) سورة عبس ، الآية : 30 . ( 2 ) سورة المؤمنون ، الآية : 106 . ( 3 ) راجع الميزان في تفسير القرآن 209 : 20 ، تفسير سورة عبس .