المقدّمة الأُولى : أنَّه لو قال بالعكس لكان نسقاً أيضاً : ( إنَّ إيابهم إلينا ثُمَّ إنَّ حسابهم علينا ) ؛ إذ النسق محفوظٌ هنا أيضاً ؛ لأنَّ ( إلينا ) و ( علينا ) كلمتان متشابهتان لفظاً .
المقدّمة الثانية : أنَّ نسق هاتين الآيتين غير مترتّبٍ على نسق الآيات السابقة ، بل إنَّ لكلّ منها نسقاً مستقلًا ، فلا يهمّ حينئذٍ مراعاة النسق ، ولن يوجب ذلك الخلل في النسق . نعم ، ربما يختلّ النسق لو قلنا بأنَّ اختلاف السياق موجبٌ لفساد السياق اللفظي القرآني ، فيخرج اللفظ عن كونه على نحو كلام القرآن . ويمكن عدّ هذا وجهاً مستقلًا للتقديم . فالتقديم هنا يكون من باب حفظ السياق اللفظي ، لا من باب حفظ النسق القرآني والفواصل بتعبير الطباطبائي .
الوجه الثاني : أنَّ يُقال : إنَّ السبب في التقديم هو التأكيد ؛ وذلك لأنَّ الله سبحانه يخاطب أهل الدنيا والمادّيّين ، فيحتاج من هذه الناحية إلى التأكيد وإبراز الأهمّيّة في الخطاب ، فكلّ من الآيتين فيه تأكيدٌ مرّتين : تارةً ب - ( إنَّ ) ، وأُخرى بالتقديم ، وهذا واضحٌ لا غبار عليه .
الوجه الثالث : ما ذكره صاحب « الميزان » أيضاً ونفاه ، حيث ذكر ما نصّه : لرعاية الفواصل دون الحصر ؛ إذ لا قائل برجوع الناس إلى غير الله سبحانه « 1 » .
أقول : القاعدة العامّة للتقديم تقتضي الحصر ، وهذا ما تسالم عليه أهل النحو . إلّا أنَّ السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) لم يستفد الحصر من هذا التقديم لنكتةٍ هي أنَّ استفادة الحصر تحتاج إلى مزيد فائدةٍ وحكمةٍ ومصلحةٍ معيّنةٍ ، وهي
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 276 : 20 ، تفسير سورة الغاشية .