الثالثة : أنَّ الضمير يرجع إلى عالم الإمكان كلّه ، أي : ما سوى الله تبارك وتعالى ، أي : باب الله الدالّ على قدرته التامّة وتدبيره ، وإنَّما يدرك ذلك بالتأمّل في الآيات الآفاقيّة والأنفسيّة ، لا بقراءة حروفه وألفاظه محضاً . فالقرآن إذن فيه من الأسرار والحقائق ما تخفى على أهل الشرع من ذوي المستويات السافلة ، بل فيه الموجودات العليا وأنوار المعصومين ( عليهم السلام ) .
والغرض : أنَّ الآية تريد أن تقول : ذلك هو القرآن المجيد العظيم ، لا الكتاب الذي بين أيديكم محضاً .
وأمّا الإتيان ب - ( بل ) للإضراب فالغرض منه أحد أُمورٍ :
الأوّل : ما أفاده السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) بقوله : إضرابٌ عن إصرارهم على تكذيب القرآن ، والمعنى : ليس الأمر كما يدّعون ، بل القرآن كتابٌ مقروٌّ عظيم في معناه . . . « 1 » .
أقول : هذا مبني على ما فهمه ( قدس سره ) من : أنَّ المراد بالذين كفروا قوم النبي ( ص ) ، وهم المخاطبون بالقرآن ، فهو إضرابٌ من التكذيب إلى التصديق ، وليس المراد بالذين كفروا الكفّار المشار إليهم آنفاً أو مطلق الكفّار الظالمين .
الثاني : أنَّ الغرض الإشارة إلى سائر ما أفاده في القرآن الكريم كلّه ، لا خصوص الآية أو السورة محلّ البحث ؛ لصدق القليل والكثير منه على القرآن ؛ فإنَّ الآية وحدها قرآنٌ بوجهٍ ، وكذا السورة ، نظير الماء الذي قليله وكثيره ماءٌ ، وعليه فما قيل فيه من إخبارٍ وإنشاءٍ صادقٌ صحيحٌ بلا ريبٍ ؛ لاستحالة تطرّق الكذب والباطل إليه .
هامش
( 1 ) أُنظر المصدر السابق .