ولعلّه يمكن هنا تطبيق كلتا القرائتين ، أعني : ( في لوحٍ محفوظٍ ) و ( في لوحٍ محفوظٌ ) على أن يكون المراد من القراءة بالضمّ ( في لوحٍ واقعه محفوظٌ ) وهو أوضحٌ في الدلالة من قراءتها بالكسر ، وإن كان المراد منها - أي : القراءة بالكسر - أيضاً أنَّه محفوظٌ في تلك المرتبة العليا والموصوفة بكونها محفوظةً .
ثُمَّ إنَّه يمكن التوفيق بين هذين الوجهين والمعنيين ؛ لأنَّ اللوح المحفوظ الذي يفهمه المتشرّعة يضمّ اللوح المحفوظ للقرآن ؛ لأنَّه جزءٌ منه ، فعلى ذلك فالقرآن محفوظٌ في مرتبته العليا وأيضاً محفوظٌ في اللوح الأصلي ، فلا تنافي بين المعنيين .
وقد يُراد باللوح أيضاً - كأُطروحةٍ - الورق الذي يُكتب عليه القرآن الكريم ، فتكون كتابته محفوظةً فيه أو عليه بلا فرقٍ ؛ لاستعمال الحروف في محلّ بعضها الآخر بلا إشكالٍ . وقد يُقال أيضاً : إنَّ المراد من حفظه حفظ ذلك الورق واللوح من التغيير والتبديل .
ويُلاحظ عليه أُمورٌ :
الأوّل : أنَّ الظاهر من الآية هو أنَّه قرآنٌ واحدٌ في لوحٍ محفوظٍ ، وما هو موجودٌ على الورق متعدّدٌ بتعدّد نسخه ، فيندفع الاحتمال من رأسٍ .
الثاني : أنَّ القرآن المنسوخ على الورق غير محفوظٍ حقيقةً ، مع أنَّه قد يتلف قبل يوم القيامة .
إن قلت : إنَّ المراد به الحفظ في الجملة ، أي : ليس الحفظ إلى أبد الآبدين ، بل الحفظ لمدّةٍ طويلةٍ .
قلت : ظاهر الآية الحفظ المطلق ، لا مطلق الحفظ ، كما إليه الإشارة بقوله تعالى : مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ « 1 » .
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية : 96 .