ثانياً : أنَّ متعلّق القراءة ليس بالضرورة الرسالة المحمّديّة كلِّها ، بل يُراد بها القراءة في الجملة ، بنحو القضية الجزئيّة التي تصدق على القليل والكثير ،
أي : اقرأ هذه السورة أو اقرأ القرآن ونحو ذلك .
فبالإمكان أنْ نقول : إنَّ السورة لم تنزل في أوّل البعثة ، بل ظاهرها هكذا ؛ لوجود النهي عن الصلاة فيها ، وبذلك نضرب الرواية الدالّة على ذلك عرض الجدار ؛ لأنَّها خلاف ظاهر القرآن ، وكلّما خالفه لم يكن حجّة .
كما يحتمل أنْ نستغني عن المقدّمة الثانية ، وهي أنَّها نزلت دفعةً واحدة ، بأنْ نقول : إنَّ قوله : كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى . . . إلى آخر السورة نزل متأخّراً .
إلّا أنَّ هذا لا يتمُّ ؛ لأنَّ هذه الآية وما بعدها نحو جواب عن الآيات التي سبقتها ، فتوجد دلالة على أنَّ السورة مترابطة في المعنى والسياق ، وآخرها مربوطٌ بأوّلها ، فلا يمكن أنْ تنزل الآية المذكورة بعد سنتين ، وتكون مع ذلك مترابطة وجواباً عمّا قبلها . فهي إذن نازلة دفعة واحدة ، فلا يمكن أن تكون نازلة في أوّل الوحي .
إنْ قلتَ : يمكن أنْ نؤّول الناهي من كونه أحد مشركي العرب : كأبي جهل أو أبي لهب إلى أمرٍ آخر ، كالشيطان أو النفس الأمّارة بالسوء .
قلتُ : إنَّنا نتحدّث عن النبيِّ ( ص ) ، وهو معصومٌ عن تأثير الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء .
إنْ قلتَ : إنَّكم قلتم بأنَّ ( عبداً ) غير متعيّن بالنبيِّ ( ص ) بل يُراد منه مطلق الناس ، فيناسب أنْ تكون السورة نازلة في أوّل البعثة ؛ لأنَّ المقصود غير النبيِّ ( ص ) الذي لم ينهه أحدٌ عن الصلاة .
قلت : كما أنَّ النبيَّ ( ص ) لم يُنْهَ عن الصلاة ، كذلك لم يُنْهَ أحدٌ غيره ؛
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 580
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٨٠