وهنا في الآية : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى يناسب أنْ تكون الرؤية مادّيّة ؛ لأنَّ
الناهي إن كان فردا معيّناً ، فرؤيته مادّيّة ، وإنْ كان كلّيّاً فكذلك ؛ لأنَّ أفراده كلَّها مادّيّة ، فأيُّ واحدٍ ينهى فهو جزئيٌّ أي : مادّيٌّ .
مضافاً إلى أنَّنا إذا تطلّبنا جانب المعنى : فإمّا أنْ نقول : رأيت نهيه أو رأيت صفته ، وهي كونه ناهياً ، فإنْ أخذنا النهي بالمعنى المادّيّ أي : سماع الصوت ، فتكون مثل قولك : رأيت زيداً طويلًا ، وإنْ أخذنا النهي من الجانب النفسي أي : الانزجار وعدم الرغبة في الصلاة من قبل الناهي ، فهو معنى معنوي ، أي : تكون مثل قولك : رأيت زيداً عالماً .
وقوله : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ليس المراد منه رؤية شكله ووجهه ، بل رؤية مستواه ، من حيث إنَّه متدنٍّ إلى هذه الدرجة التي ينهى فيها عن الصلاة ، ورؤية المستوى هي رؤية قلبيّة أو روحيّة ، ولكنَّها مع ذلك تنصب مفعولًا واحداً ؛ لأنَّها رؤية شخص محدّد وليست رؤية صفته ، فتندرج في القسم الثاني من الأقسام الأربعة السابقة .
والخطاب في ( أرأيت ) يعود أساساً إلى المخاطب الحقيقيِّ ، وهو النبيُّ ( ص ) ، وقلنا مكرّراً في مباحثنا السابقة : إنَّه يمكن أنْ يُراد به كلّ المسلمين ، بل كلّ البشر ، بل كلّ الخلق .
ولابدَّ من الإشارة إلى أمرٍ لم يلتفت إليه النحويّون والمنطقيّون ، وهو أنَّه إذا عاد الضمير إلى كلّي كان كلّيّاً ، وإنْ عاد إلى جزئي كان جزئيّاً ، وكذلك اسم الموصول ، كما في قوله تعالى : الَّذِي يَنْهَى .
وليس المراد من قوله : عَبْداً إِذَا صَلَّى النبيُّ ( ص ) ، كما عليه فهم المفسّرين الضيّق ؛ فإنَّهم فسّروا بالمورد ، والمورد لا يخصّص الوارد ، وهذه
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 576
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٧٦