وان بعضهم يحس بوجود الجدار والشجرة على بعد عشرة أمتار أو أكثر .
هذا هو الكشف الذي اراده الغزالي ، انه علم القلب الصادق ، وحدسه الصائب ، ويقظة الذات الأمينة ، وشهادتها العادلة . وبهذا ، بحكاية القلب للواقع حكاية المرآة للوجه - كانت الذات هي الواقع ، وكان الواقع هو الذات ، لا فرق بين اكتشافها ما وراء الطبيعة بنور الاخلاص والايمان وبين معرفتها بأشياء الطبيعة بالتجربة والعيان ، كلاهما عين اليقين . وليس لرجل العلم أن يتنكر لهذا الكشف ، ويرفضه بقول مطلق ما دام العلم نفسه لا يقر في شيئا من الأحكام النهائية المطلقة .
ولا نجد عذرا لمن استبعد هذا الكشف ، وأنكره على الغزالي إلا أنه قاس الغير على نفسه ، واتخذ من واقعه ميزانا للناس . ولو تم وجه الشبه بيننا وبين الغزالي لكان للقياس وجه ، أما أن نغرق في المادة إلى ما فوق الآذان ، ثم نقيس أنفسنا بأهل الطهر والايمان فإنه قياس مع الفارق وتشبيه للضد بالضد . أما تصوف الغزالي فهو النسك والزهد في الدنيا بعد أن أقبلت عليه ، تصوف يحده الإيمان باللّه والعمل المنزه عن كل غاية من الغايات المشينة ، لا تصوف الذين تظاهروا بالزهد في الدنيا بعد أن زهدت بهم ، ولبسوا الخرق والمرقعات ، وتشبهوا بالأولياء ، ليتبرك بهم البلهاء .
لماذا اتجه الغزالي إلى القلب ؟
بقي أن نتساءل : لماذا اتجه الغزالي إلى القلب . واتخذ منه محورا لاهتمامه ؟
الجواب ان الغزالي اتجه إلى القلب لأسباب :
( 1 ) ان في قلب كل إنسان استعدادا لأن يكون أديبا ، ولأن يكون تاجرا ، فإذا تغلبت الشهوات على القلب كان شيطانا ، وإذا تغلب القلب