عليها كان ملاكا ، ونرمز بالملاك إلى سيطرة الفضيلة على الرذيلة ، وبالشيطان إلى استبداد الرذيلة وتحكمها . فاجتهد الغزالي أن يكون القلب هو الغالب والمنتصر . ومتى انتصر القلب على الكذب والطمع والرياء ، وما إلى ذلك من أمهات الرذائل كان ما يحس به ويشعر حقا وصدقا .
( 2 ) ان أكثر أعمال الانسان الاعتيادية التي تحدث أثناء حياته اليومية مصدرها القلب لا العقل ، لأنها تنبعث عن الرضا والغضب ، واليأس والرجاء ، والامن والخوف ، وكل هذه من صفات القلب . أما العقل فهو أصل القضايا الفنية ، والمخترعات العلمية . وإذا كان له من شأن وأثر في غير قضايا العلم فهذا الأثر العقلي لا يتعدى تزيين الالفاظ ، ونظم الأقيسة ، وتنميق الخطب للتأثير على السامعين ، ولو إلى حين الانتهاء من الالقاء .
وإن أبيت الا أن تجعل اثرا ما للعقل في غير قضايا العلم فنؤكد لك أن هذا الأثر يقف عند النظريات ، ولا يتجاوزها إلى الأعمال الاعتيادية والخلقية ، تماما كسلطة التشريع بالقياس إلى سلطة التنفيذ . فالعقل هو المشرع ، والعاطفة هي المنفذ . فإن استجابت للعقل ، كان . والا فنظرياته صرخة في واد .
والدلالة الصادقة الواضحة على هذه الحقيقة اننا نؤمن نظريا بان هذا الشيء حق ، ثم نهمله ونتجاهله ، ونعتقد نظريا بأن ذاك باطل ، ثم نفعله ونقدسه . والسر أن الانسان خاضع في أعماله لمنطق العاطفة لا لمنطق العقل ، ولا لمنطق الدين ، إلا إذا تحول الدين إلى العاطفة . اجل ، ان الانسان أو العديد من أفراد الانسان يتخيلون انهم يسيرون في أعمالهم بوحي العقل والدين ، ولكنهم في الواقع مسيرون بإملاء الهوى والغرض ، وفي نفس الوقت يفسرون أعمالهم العاطفية بأوهامهم العقلية ، ويخلطون بين حقيقة الدين ، وبين ما يتراءى لهم انه من الدين . وتتجلى هذه الظاهرة ، ظاهرة الخلط بين أنواع المنطق - تتجلى عند الباطنية أكثر من أية طائفة أخرى .
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 264
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٢٦٤