تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
اخترت هذا البحث ، وما أشرت اليه من الحواس والعقل انما هو للتوطئة والتمهيد . وقد استعصى معنى الكشف الذي اعتبره الغزالي مفتاحا لأكثر المعارف ، استعصى على افهام الكثير ، لأن الناس انما تدرك وتتفهم الشيء المألوف لديهم ، وما يحسونه في أنفسهم ، ويرونه عيانا في غيرهم ، أما ما لا عهد لهم بمثله فهم في ريب من وجوده ، ومرية من لقائه . وقد دارت حول الغزالي معارك وآراء متضاربة من أجل هذا الكشف فمنهم من عده من أهل البدع والضلالات ، وبعض المعاصرين له وضع رسالة في تكفيره . والأكثر الأغلب اعتبروه اماما في العلم والتحقيق ، والتدقيق ، وحجة الإسلام على المسلمين في الأخلاق وأمور الدين . بل إن هذا الوصف ، وهو حجة الاسلام قد صار علما عليه بالذات . وممن دافع عنه ، وانتصر له الفيلسوف الشهير محمد بن إبراهيم الشيرازي صاحب كتاب الأسفار ، والمعروف بصدر المتألهين « 1 » . ومهما يكن ، فان اختلاف الآراء حول شخصية الغزالي لبرهان ساطع قاطع على عظمته وعلو شأنه ، وقد حظيت آراءه باهتمام الفلاسفة في الشرق والغرب ، وحلت مؤلفاته محل الصدارة عند أهل العلم وطلابه ، وقادة الدين وأصحابه على تباين مللهم ، واختلاف نحلهم .

حقيقة الكشف :

والآن ، فما هو الكشف الذي عناه الغزالي ، واعتبره مصدرا هاما من مصادر المعرفة ، وبه صار في عداد الصوفية ؟ هل هو الاتصال ، والرواية عن اللّه بالمشاهدة ، كما يروي فلان عن فلان ، أو هو اتحاد
هامش
( 1 ) واعتذر عن تكفيره الفلاسفة بأنه فعل ذلك غيرة على الدين وحرصا على الاسلام ، مع العلم بان صدر المتألهين شيعي جعفري ، وحجة الإسلام سني شافعي ، ولكن لا سنة ولا شيعة في الفلسفة ولا في العلم ولا في الدين . ومن تتبسع كتب السير والتاريخ يلاحظ ان الصلة بين علماء السنة والشيعة كانت فيما مضى أقوى مما هي عليه الآن .