تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
الانسان باللّه ، كما نسب إلى أبي يزيد البسطامي ، أو حلول اللّه بالانسان وجميع المخلوقات ، كما نقل الحلاج ؟ والجواب : ان الغزالي قد بين معنى الكشف بأنه نور يقذفه اللّه في القلب ، ولكن هذا النور يحتاج إلى توضيح وتحديد ، لان تفسير الكشف بالنور ، والنور بالكشف أشبه بتفسير الماء بالماء . وبديهة ان الحوادث والوقائع الملموسة هي التي توضح المفاهيم وتظهرها جلية على حقيقتها ، تماما كحوادث الكنغو « * » التي أوضحت معنى الاستعمار ، وكشفت الغطاء عن جميع اسراره . وليس لدي أية حادثة استشهد بها ، لان الكشف الصوفي من الأمور التي لا تعرف إلا من قبل الانسان نفسه . والذي فهمته من مطاوي كلمات الغزالي المتفرقة في آثاره هنا وهناك ، والمعنى الذي اتسم في ذهني من حيث لا أشعر - هو أن الغزالي أراد من الكشف والنور شهادة القلب الطيب بما يراه ويحسه ، وان ما يراه ويحسه هو عين اليقين ، أما القلب الخبيث فشهادته كشهادة الفاسق الفاجر يجب ردها وعدم الاعتماد عليها . وهنا سؤال يفرض نفسه : هل من الممكن أن يرى القلب الشيء على حقيقته بحيث يكون معصوما عن الخطأ والاشتباه ؟ هل في القلب من المؤهلات ما تبلغ به مرتبة العلم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ ولا أستطيع انا بالخصوص ان أجيب بالإيجاب على هذا السؤال إذا طلب مني الأرقام والأمثلة من الحوادث والوقائع المحسوسة الملموسة . ولديّ الجواب الكافي الشافي على أن هذا العلم ممكن في حد ذاته ، وغير مستحيل في طبيعته ، ومتى أثبتنا الامكان يصبح الوقوع سهلا يسيرا .
هامش
( * ) أثارت الولايات المتحدة الأميركية وبلجيكا وبريطانيا المشاكل ضد تحرير الكنغو من باب احتقار الشعوب غير البيضاء المسيحية ، وانكار حق الحياة على تلك الشعوب .