تنازل عن شخصيته ، ومحا نفسه من الوجود ، وتركها للأهواء تفعل به ما تشاء ، لا إرادة له ولا إدراك ، ولا شيء ابدا . فهو إذ ينكر وجود اللّه والفضائل ، ويحلل ويحرم فإنما ينطق بلسان الدنيا والشيطان ، لا بلسان العقل والإيمان . قال الإمام مخاطبا الدنيا ، « فو اللّه لا أذلّ لك فتستذليني ، ولا أسلس لك فتقوديني » .
وقال حفيده الإمام جعفر الصادق :
« الدنيا بمنزلة صورة ، رأسها الكبر ، وعينها الحرص ، وأذنها الطمع ، ولسانها الرياء ، ويدها الشهوة ، ورجلها العجب ، وقلبها الغفلة ، وكونها الفناء ، وحاصلها الزوال ، فمن أحبها أورثته الكبر ، ومن استحسنها أورثته الحرص ، ومن طلبها أوردته إلى الطمع ، ومن مدحها أكسبته الرياء ، ومن أرادها مكنته من العجب ، ومن اطمأن إليها أركبته الغفلة ، ومن أعجبه متاعها فتنته فيما لا يبقى ، ومن جمعها وبخل بها ردته إلى مستقرها وهو النار » .
فالكبر والحرص والطمع والرياء والشهوة والعجب والغفلة - كل هذه وما إليها من المساوي تأتي كنتيجة طبيعية لحب الدنيا والميل مع الهوى .
وكل واحدة منها تدع الانسان في ظلمات تعميه عن رؤية اللّه ومعرفة الحقيقة ، فكيف إذا تعاونت عليه مجتمعة ؟ !
أما إذا انصرف عن الموبقات ، وروّض نفسه رياضة تجعل هواه ورضاه في طاعة اللّه وحده ، حتى ولو كان فيها البلاء والضرّاء ، فإنه ، والحال هذه ، يسير تلقائيا مع فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، وينزع بطبعه إلى الايمان بالواحد الأحد ، ولا يحتاج إلى أقيسة الفلاسفة واستدلالاتهم المنطقية ، ونقاشهم وحوارهم ، فهذا الايمان يستند إلى القلب وحده ، على شريطة أن يكون طاهرا نقيا من كل شائبة .
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 244
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٢٤٤