وفي هذا الموقف الحاد العسير يأتي دور المتصوف ، وجهاده مع النفس الأمّارة وميولها وكما أن البطل هو الذي يصرع الخصم عند النزال كذلك الصوفي هو الذي يتغلب على ميول النفس ونزعاتها ، ولا يستجيب لأهوائها وشهواتها ، بل تكون أسيرة له يأمرها فتطيع ، ولا يكون أسيرا لها تأمره فيطيع . فهذا التصوف لا يعني شيئا غير الصبر وقوة الإرادة والاجتهاد في مقاومة النفس إذا أرادت الانحراف والغواية . قال أحد المؤلفين :
« ان الشيطان يقرع على باب قلبك ، ولكن ثق أنه لم يقو من تلقاء نفسه على فتح الباب ، لأنه رجل مهذب لا يقترف جريمة هتك حرمة مسكنك ، بل يكتفي بطلب الاذن بالدخول ، فلا تأذن له ، وإياك أن توارب الباب ، حتى ولا لترى من الطارق ؟ ان من يفتح الباب فقد هلك . . ان دقيقة واحدة مع الشيطان كافية لأن توردك مورد التهلكة » .
وهذا صحيح نطق به القرآن الكريم حكاية عن الشيطان . الآية 22 من سورة إبراهيم :
« وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
فليس لإبليس أو الشهوات أو الإرادة الشريرة أو المغريات الخارجية مهما شئت فعبر ، ليس لها إلا الدعوة ، وما عليك إلا الرفض إذا أردت أن تكون انسانا كريما . وهذا ما أراده الإمام علي ( ع ) من قوله : « أعينوني بورع واجتهاد ، وعفة وسداد » .
دعانا الإمام أن نصبر ، ونعفّ ونكفّ إذا اعترضت سبيلنا المغريات ، دعانا أن نقاوم ونجاهد ، ولا نستسلم للخطيئة ، لأن من استسلم لها فقد