الكلي ، والنفس الكلية ، والموجودات - متشابكة مترابطة متراصة تشترك في جميع الخصائص . ومن هنا كان افلوطين مسوقا إلى وحدة الوجود ، أراد ذلك ، أو لم يرد . ويؤيد ذلك ما نسب اليه من أن الموجودات المادية تتحول في النهاية إلى الوجود الأول ، وتفنى فيه ، تماما كالبخار الذي تحول من الماء ، ثم يتحول اليه .
والمعرفة عند افلوطين تنحصر بالذوق والكشف ، أي بالمعرفة القلبية ، ولا قيمة لغيرها مهما كان نوعها . ومن أقواله « يجب عليّ أن أدخل في نفسي ، ومن هنا أستيقظ ، وبهذه اليقظة أتحد باللّه » ، وقال : « يجب أن أحجب عن نفسي النور الخارجي ، لكي أحيا وحدي في النور الداخلي » وقال أيضا : « إني ربما خلوت إلى نفسي ، وجعلت بدني جانبا ، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن ، فأكون داخلا في ذاتي راجعا إليها خارجا من سائر الأشياء ، فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا » .
ولما كان صدور العالم عن الأول بالطبع لا بالإرادة فلا يسمى هذا الصدور فعلا ، بل اشعاعا ، وانبثاقا وفيضا مهما شئت فعبّر ، تماما كما يشع ضوء الشمس من الشمس ، وكما يبعث اللهيب الضوء والنور « 1 » .
وقال فورفوريوس ( ت 304 م ) ، وهو تلميذ افلوطين : « ان الغاية من الفلسفة هي الخلاص من الشرور بمجاهدة النفس ، والقضاء على شهواتها وبهذه المجاهدة نتوصل إلى معرفة اللّه » .
وإذا تأملنا ما تحويه الأفلاطونية الحديثة من وحدة الوجود الأول ، ومجاهدة النفس ، ثم الكشف والمعرفة القلبية - ظهر لنا جليا أن هذه الأفلاطونية من أهم المنابع للتصوف الاسلامي .
هامش
( 1 ) قال يوسف كرم في تاريخ الفلسفة اليونانية ص 297 الطبعة الرابعة : « ترجمت بعض رسائل افلوطين إلى القرن الرابع ، فوجد فيها القديس أو غسطين عونا كبيرا ، ووضع الأفلاطونية المسيحية » أي ان الأفلاطونية الحديثة مصدر للأفلاطونية المسيحية .