تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وأعترف بأني لم أفهم شيئا من حب اللّه بهذا المعنى ، أما حبه بمعنى طاعته والانقياد له فمعقول ومقبول ، وقد نص عليه القرآن الكريم في الآية 53 من سورة المائدة :
« فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ »
ولكن الحب بهذا المعنى يرجع إلى مجاهدة النفس ، وتحلّيها بالكمال والفضيلة ، وعليه فلا يكون قسما من التصوف ، ولا ركنا له . وقرأت كثيرا مما كتب في هذا الموضوع قديما وحديثا ، واطلعت أخيرا على كتاب « الحب الإلهي في التصوف الإسلامي » رقم 24 ، نشرته المكتبة الثقافية في القاهرة التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد القومي ، وقد بلغت صفحاته 137 صفحة ، ورجعت إليه أكثر من مرة أملا أن أخرج منه بمحصّل يمدّني فيما أكتب لهذا الفصل ، ولكنّي لم أحصل على جدوى ، ولا شيء أصعب عليّ من أن أكتب في موضوع لا أعقله ولا أدركه ، لذا صرفت الكلام عن الحب إلى الأفلاطونية الحديثة ، لأنها أحد منابع التصوف . ونمهد للأفلاطونية الحديثة بالإشارة إلى نظرية المثل عند أفلاطون أستاذ المعلّم الأول ، فقد نسب اليه القول بأن للموجودات صورا مجردة في عالم الإله ، وتسمى هذه الصور بالمثل الإلهية ، ومن خصائصها أنها لا تفسد ولا تندثر ، فهي أبدية أزلية ، والذي يفسد ويندثر هو هذه الكائنات المشاهدة . وقد فسرت هذا المثل بتفاسير شتى متناقضة متضاربة ، نختار منها تفسير الفيلسوف الشهير محمد بن إبراهيم المعروف بالملا صدرا ، هذا مع الاعتراف بأن اختيارنا لتفسيره لا يستند إلى دراسة وافية ، ثم المقارنة بين ما قيل حولها ، واختيار الأصح والأرجح . وإنما اخترنا قول هذا الفيلسوف لشهرته ، والثقة بمكانته ، وتبحره في هذا الفن ،