تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
لوجه الخير ، لا رغبة في مال أو جاه ، وإلى ترك الشر للشر ، لا خوفا من السوط والسيف . . ومعنى هذا ان مبدأ التصوف يقر بوجود الفضيلة كحقيقة واقعة لها وجود مستقل عن المشاعر والاستحسانات والرغبات . ومعناه أيضا أن التصوف من مقومات الثقافة والحضارة التي عاشها الأجداد والآباء ، فعلينا ، والحال هذه ، أن ندرسه على أسس جديدة بجد وعناية ، ونقيمه فوق النظريات والأفكار التي ترشدنا إلى الطريق القويم ، وتسير بنا إلى الأمام . وإذا كان البعض لا يؤمن كالصوفية بالحدس والكشف ، فنحن نؤمن بأننا في أشد الحاجة إلى الحب والإخاء ، وإلى الشعور بالمسؤولية ، وتطبيق القيم الروحية ، ونبغي التوصل إلى ذلك بكل وسيلة ، بالقصة والمسرحية والموسيقي والسينما ، والوعظ والارشاد ، وما إلى ذلك من المؤثرات الدينية ، والوسائل الفنية التي نتخذ منها رادعا عن الموبقات والانحرافات . ان التصوف أجدى وانفع من هذه الأجهزة ، وأي شيء أبلغ في الايمان والتقوى من قول الإمام علي : « اعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ؟ ! وأي قول أوقع في النفس من قول ابن عربي : « أدين بدين الحب » ، وقول جلال الدين الرومي : « ليس حب الناس الا نتيجة لحب اللّه » ؟ ! وأي شي أقوى في الشعور بالمسؤولية من قول أويس القرني الذي كان يتصدق بما يزيد عن مأكله وملبسه ، ثم يخاطب اللّه بقوله : « اللهم من مات جوعا ، فلا تؤاخذني به ، ومن مات عريانا فلا تؤاخذني به » « 1 » أما الذين لا يشعرون بالمسئولية ، ولا يقولون ويفعلون الا بدافع الربح والتجارة ، أما هؤلاء فدواؤهم أن يجاهدوا أنفسهم ، ويراقبوها ،
هامش
( 1 ) شهد له رسول اللّه بالجنة دون ان يراه ، وقال يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر ، وقال له عمر : امر النبي ان نبلغك سلامه . حضر أويس مع الامام في صفين ، واستشهد بين يديه ، وهو من كبار التابعين .