أما بعدها فلا يجوز عليهم الكفر ولا تعمد الكذب ، وتجوز الصغائر عمدا وسهوا ، والكبائر سهوا لا عمدا .
وقال الامامية : الأنبياء معصومون عن الذنوب كبيرها وصغيرها ، قبل النبوة وبعدها ، ولا يصدر عنهم ما يشين لا عمدا ولا سهوا ، وأنهم منزهون عن دناءة الآباء وعهر الأمهات ، وعن الفظاظة والغلظة ، وعن الأمراض المنفردة كالبرص والجذام ، بل وعن كثير من الأعمال المباحة المنافية للتعظيم والتوقير ، كالأكل في الطريق ونحوه « 1 » .
واستدل القائلون بوجوب العصمة للأنبياء بأن الغرض من البعثة عدم وقوع المعصية ، وإطاعة اللّه ، فلو عصوا أو أخطأوا في تبليغ الأحكام لم يحصل الغرض ، ولصدق على الأنبياء قول القائل : « حاميها حراميها » هذا إلى أن صدور الذنوب عنهم يوجب سقوط هيبتهم عن القلوب ، وانحطاطهم في أعين الناس ، فلا ينقاد إليهم أحد . وقد روي أن امرأة أتت النبي بولدها ، وقالت له : يا رسول ان ولدي هذا أرمد العين ، ولم يرتدع عن أكل التمر ، فأمره أنت لعله يقبل منك . فقال لها : آتني به غدا ، لأني اليوم أكلت تمرا ، فلا يؤثر فيه قولي .
أما الآيات التي وردت في القرآن ، ويوهم ظاهرها صدور الذنب عن الأنبياء ، كقوله تعالى :
« وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى »
وما إلى ذاك فقد فسرها كل فريق حسب مذهبه ، فالذين قالوا بجواز الذنوب قبل البعثة حملوها على أن الأنبياء أذنبوا قبل أن يوحى إليهم . والذين منعوا عنهم
هامش
( 1 ) لا دليل على هذا كله الا التشدد في تنزيه الأنبياء ، وصيانة مقامهم حذرا من أن تنفر منهم الطباع ، والا فأي دخل لهم في ذنوب الآباء والأمهات ، وقد قال اللّه على لسانهم :« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » *.