ومعلوم : أنّ ما ينتزعه العقلاء من الأمر بالشيء ، هو النهي عن نقيضه الذي هو العدم بلا قيدٍ أصلًا ؛ فإنّ منشأ الانتزاع هو المناقضة لا غير .
وما ذكرنا جارٍ في النهي طابق النعل بالنعل ؛ فإنّ النهي عن الشيء عين الأمر بنقيضه ، لا بمعنى أنّ هاهنا نهياً وأمراً ، ولا بمعنى اتّحادهما مفهوماً ، بل بمعنى اتّحادهما خارجاً ، وكون النهي منشأً لانتزاع الأمر بنقيضه ، ولمّا كانت حقيقة النهي عبارة عن الزجر عن الوجود ، ونقيض الوجود هو العدم ، كان الأمر بالعدم منتزعاً منه .
وبما ذكرنا : انهدم أساس الخلاف الذي اختصّ بالنهي من أنّه هل هو نفس الترك وأن لا يفعل ، أو الكفّ ؟ فإنّ هذا النزاع إنّما له وجه معقول لو كان النهي عبارة عن الطلب ، فينازع بأ نّه طلب الترك أو الكفّ ، وأمّا بعد ما عرفت - من أنّ النهي عبارة عن الزجر عن الوجود - فلا معنى له .
نعم ، لمّا كان نقيض الوجود هو العدم ونفس أن لا تفعل ، يكون النهي عن الشيء متّحداً خارجاً معه ، لا مع الكفّ ؛ فإنّ الكفّ هو العدم مع اعتبار زائد ، وفي الحقيقة الكفّ ضدّ النهي ، لا نقيضه ، ويجوز ارتفاعهما ، بخلاف النقيضين ، لكن كون الترك نقيضاً للزجر عن الوجود ، لا يقتضي أن يكون متعلّقاً للطلب حقيقة ؛ بمعنى أن يكون في ذهن المولى طلب ترك الفعل حقيقة .
كما أنّه بما ذكرنا انهدم أساس تقسيم النهي إلى التعبّدي والتوصّلي « 1 » ؛ فإنّ منشأ هذا التقسيم أيضاً هو كون النهي عبارة عن طلب العدم ، وأمّا بعد كونه زجراً
هامش
( 1 ) - بحر الفوائد ، الجزء الأوّل : 218 / السطر 15 - 16 .