فنقول : المعروف أنّ عمدة دليل وجوب التقليد هو ارتكاز العقلاء « 1 » ؛ فإنّه من فطريات العقول رجوع كلّ جاهل إلى العالم ، ورجوع كلّ محتاج في صنعة وفنّ إلى الخبير بهما ، فإذا كان بناء العقلاء ذلك ، ولم يرد ردع من الشارع عنه ، يستكشف أنّه مجاز ومرضيّ .
ولا يصلح ما ورد من حرمة اتّباع الظنّ للرادعية ؛ لما ذكرنا في باب حجّية الظنّ « 2 » : من أنّ مثل هذه الفطريات والأبنية المحكمة المبرمة ، لا يمكن فيها ردع العقلاء بمثل عموم
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً *
« 3 » - بناءً على عدم الخدشة في دلالته - وغير ذلك « 4 » ؛ فإنّه لا ينقدح في ذهنهم احتمال الخلاف في تلك الفطريات غالباً إلّامع التنبّه ، فلا ينقدح في بالهم أنّ مثل تلك العمومات رادعة عن مثل تلك الارتكازات ، فلا بدّ في ردعهم عن مثلها من التصريح والتأكيد .
ولهذا بعد ورود أمثال ما يدّعى الردع بها ، لم ينقدح في ذهن مَن في الصدر الأوّل ، عدمُ جواز ترتيب الملكية على ما في يد الغير ، وأثرِ الصحّة على معاملات الناس ، وعدم قبول قول الثقة والعمل بالظواهر ، فإذن يكون أصل التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم جائزاً .
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 539 ؛ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 702 - 703 ؛ نهاية الأفكار ، القسم الثاني 4 : 241 .
( 2 ) - أنوار الهداية 1 : 221 .
( 3 ) - يونس ( 10 ) : 36 ؛ النجم ( 53 ) : 28 .
( 4 ) - كقوله تعالى :وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌالإسراء ( 17 ) : 36 .