الأئمّة ، كما هو صادق على فقهاء عصرنا ؛ فإنّهم مشتركون معهم فيما هو مناط المنصب .
وامتياز المجتهدين في زماننا عنهم ، إنّما هو في أمر خارج عمّا يعتبر في المنصب ؛ وهو تحصيل قوّة الاستنباط بالمشقّة ، وبذل الجهد وتحمّل الكلفة في معرفة الأحكام ، ممّا لم يكن فقهاء العصر الأوّل محتاجين إليه .
فمعرفة الأحكام في العصر الأوّل كانت سهلة ؛ لعدم الاحتياج إلى كثير من مقدّمات الاجتهاد ، وعدم الاحتياج إلى التكلّف وبذل الجهد ممّا نحتاج إليه في هذه الأعصار ممّا هو غير دخيل في تقوّم الموضوع ، بل دخيل في تحقّقه ، فقيود الموضوع - وهي ما عيّنت المقبولة من الأوصاف - كانت حاصلة لهم من غير مشقّة ، ولفقهائنا مع تحمّل المشاقّ .
وأمّا المقلّد فخارج عن الموضوع رأساً ؛ لعدم صدق الأوصاف عليه ، كما أوضحنا سبيله سابقاً « 1 » .
هذا ، مع أنّ المنصوبين للقضاء من قبل خلفاء الجور والحقّ ، كانوا من الفقهاء الواجدين لقوّة الاستنباط ، كشريح المنصوب من قبل أمير المؤمنين ، وكابن أبي ليلى ، وابن شُبْرُمة ، وقَتَادة ، وأضرابهم .
فتحصّل من جميع ذلك : أنّ منصب القضاء مختصّ بالفقهاء ، ولا حظّ للعامّي فيه .
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 19 - 21 .