وثالثة : بأنّ الهيئات بما أنّها حروف إيجادية لا حكائية ، تكون آلة لإيجاد المادّة اعتباراً ، والإيجاد كالوجود غير قابل للتعليق ؛ فإنّ الوجود والإيجاد تكوينياً كانا أو اعتبارياً يستحيل تعليقهما ، فكما أنّه لا يمكن أن يعلّق وقوع الضرب على شخص على كونه عدوّاً ، كذلك يستحيل إيجاد البيع وإنشاؤه معلّقاً ؛ فإنّ إيجاد المعنى المقصود باللفظ إمّا لا يحصل رأساً ، أو يحصل مطلقاً ، فوقوع الإيجاد معلّقاً مرجعه إلى التناقض ، فكلام القوم ومحطّ النزاع ، التعليق في المنشأ لا الإنشاء « 1 » .
ونحن قد فرغنا عن الجواب عنها في الواجب المشروط ، وقلنا بإمكان التعليق في المعاني الحرفية ، وكذا إمكان تعليق الجزئيات وتقييدها « 2 » .
وأمّا الوجه الثالث الذي تشبّث به بعض أعاظم العصر رحمه الله ، وزعم أنّ النزاع في تعليق المنشأ لا الإنشاء .
ففيه : أنّ قياس الإيجاد الاعتباري بالتكويني مع الفارق ، ولا يلزم من امتناع التعليق في التكوين امتناعه في التشريع وعالم الاعتبار ، فإذا قال : « إن جاءك زيد فاضربه » يكون القيد قيد الهيئة لا المادّة ، والبعث الاعتباري معلّق على مجيئه ، فما لم يجيء لا بعث بالضرورة ، وفي ظرف تحقّق المجيء يتحقّق البعث الاعتباري .
وبالجملة : قبل حصول المعلّق عليه لا إيجاب ولا وجوب ، وإنّما يتحقّقان بعد تحقّقه ، والإنشاء غير التلفّظ بالألفاظ الموقعة له ، والتلفّظ من التكوين ،
هامش
( 1 ) - منية الطالب 1 : 253 - 254 .
( 2 ) - مناهج الوصول 1 : 286 - 287 .