وياليتنا نستيقظ من النوم وندخل في أول منزل وهو اليقظة ؛ ويا ليته جل وعلا - يأخذ بأيدينا بعناياته الخفية ويرشدنا اليه والى جماله الجميل ؛ ويا ليت هذا الحصان الجامح المتمثل في النفس يهدأ وينزل من كرسي الانكار ؛ وياليتنا نلقي هذا الحمل الثقيل أرضا ونتجه اليه ونحن أخف حملا ؛ وياليتنا نحترق في شمع جماله كالفراشة دون ان ننبس ببنت شفة ؛ وياليتنا نخطو خطوة بقدم الفطرة ولاندوسها إلى هذا الحد ، ان هناك تمنيات كثيرة اذكرها في الشيخوخة وعلى مشارف الموت حيث لاحول لي ولا قوة .
وأنت يا بني ، استغل شبابك وعش بذكره - جل وعلا - وحبه والرجوع إلى فطرة الله واقض عمرك على هذا النحو . وهذا الذكر للمحبوب لايتنافى ابدا مع الأنشطة السياسية والاجتماعية في خدمة دينه وعباده ، بل إنه يعينك في طريقه ، ولكن اعلم أن خدع النفس الامارة والشيطانين الداخلي والخارجي كثيرة وما أكثر ما تحول الانسان عن الله باسم الله واسم خدمة خلق الله وتسوقه باتجاه نفسه وآمال نفسه .
ان مراقبة النفس ومحاسبتها في تشخيص طريق إرادة النفس وإرادة الله هما من جملة منازل السالكين . فوفقنا الله وإياكم فيها . ومااكثر ما يخدعنا الشيطان نحن الشيوخ بشكل ويخدعكم أنتم الشباب بشكل آخر .
ان الشيطان يطردنا نحن الشيوخ بسلاح اليأس من الحضور وذكر الحاضر فوسوس لنا بان الوقت قد فاتنا واننا لا يمكن ان نصلح وان أيام الشباب التي هي وقت الزراعة والحصاد قد ولت وان القدرة على الاصلاح قد فقدت في سني ضعف الشيخوخة وان جذور الأهواء والمعاصي قد نفذت في جميع أركان الوجود وترسخت وجعلتك لا تليق بمحضره - جل وعلا - وان الاوان قد فات ، فالأفضل ان تستغل الدنيا أقصى الاستغلال في هذه الأيام القليلة من نهاية عمرك .
وقد يتصرف الشيطان معنا نحن الشيوخ كما يتصرف معكم ، فيقول لكم انكم شباب وان فصل الشباب هذا هو وقت التمتع والتلذذ ، فاشبع شهواتك ، وفي أواخر العمر سيكون طريق التوبة وباب الرحمة مفتوحين إن شاء الله والله ارحم الراحمين ، وكلما كانت الذنوب أكبر وأكثر فان الندم والرجوع إلى الحق في آخر العمر سيكونان أكثر وسيزداد التوجه إلى الله تعالى والاتصال به - جل وعلا - ، فما كان أكثر الناس الذين يتمتعوا كثيرا في شبابهم ولكنهم امضوا بقية العمر في سني الشيخوخة في العبادة والذكر والدعاء وزيارة الأئمة - عليهم السلام - والتوسل بشفاعتهم ورحلوا عن هذه الدنيا سعداء . وهو يوسوس لنا نحن الشيوخ مثل هذه الوساوس أيضا قائلا لنا ان ليس من المعلوم انكم سوف تموتون بهذه السرعة ، وان هناك فرصة ، فتب في الأيام القليلة المتبقية من العمر ، ثم إن باب شفاعة النبي ( ص ) مفتوح وان المولى أمير المؤمنين - عليه السلام - سوف لا يسمح بان يعذب محبوه وانك سوف تراه عند الموت وسوف يأخذ بيدك وما إلى ذلك من أقاويل كثيرة يلقيها في اذن الانسان .
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 168
مساهمون: السيد الخميني
ص١٦٨