ولعل الادعاء بان بعض الأمور البرهانية يمكن ان لا تكون موضع التصديق والايمان ، يمكن ان يكون هو نفسه يبدو صعبا أو عديم الأساس ، ولكن يجب ان نعلم أنه امر وجداني ووردت الإشارة اليه في القرآن الكريم مثل الآيات الكريمة من سورة التكاثر . واما الوجدان فإنكم تعلمون ان الموتى لا حراك يصدر منهم ولا يستطيعون ان يصيبوكم بأذى وان آلاف الموتى لا يبلغ نشاطهم مستوى نشاط ذبابة واحدة وانهم سوف يحيون في هذا العالم بعد الموت وقبل يوم النشور ، ولكنكم لاتمتلكون القدرة على النوم بهدوء إلى جانب الميت لوحدكم ، وليس ذلك الا لان علمكم وقلبكم لم يصدقا ، ولم يوجد الايمان به فيكم ، ولكن غسّالي الاموت الذين صدقوا من خلال تكرار العمل يختلون بهم بهدوء بال .
والفلاسفة يثبتون بالبراهين العقلية حضور الحق تعالى في كل مكان ، ولكن مالم يصل إلى القلب ما اثبته العقل بالبرهان وما لم يؤمن به القلب ، فإنه لا يؤدي أدب الحضور ، وأولئك الذين أوصلوا إلى القلب حضور الحق تعالى وآمنوا به فإنهم يؤدون أدب الحضور حتى وان لم تكن لهم علاقة بالبرهان ويتجنبون ما يتنافى مع حضور المولى . وعلى هذا فان العلوم الرسمية هي حجب بحد ذاتها وان تمثلت في الفلسفة وعلم التوحيد ، وكلما زادت أصبح الحجاب أكثر سمكاً .
وكما نعلم ونرى فان لسان دعوة الأنبياء عليهم السلام - والأولياء الخلّصين سلام الله عليهم - ليس لسان الفلسفة والبرهان الشائع بل إن الذين هم على صلة بأرواح الناس وقلوبهم ويوصلون النتائج إلى قلوب عباد الله ويهدونهم من داخل الروح والقلب . وان شئت فقل ان الفلاسفة وأهل البرهان يزيدون من الحجب والأنبياء - عليهم السلام - وأصحاب القلوب يسعون من اجل رفع الحجاب ، ولهذا فان المتخرجين من مدرستهم وتلامذتهم ، هم أصحاب البرهان والقيل والقال ولايمتون بصلة إلى القلب والروح .
ان ما قلته لا يعني ان لا تتناول الفلسفة والعلوم البرهانية والعقلية وتعرض عن العلوم الاستدلالية ، فهذه خيانة للعقل والاستدلال ، بل اعني ان الفلسفة والاستدلال طريق للوصول إلى الهدف ولكنهما ليسا هدفا بحد ذاتهما والدنيا مزرعة الآخرة « 1 » والعلوم الرسمية هي مزرعة الوصول إلى الهدف ، كما أن العبادات هي أيضا المعبر إلى الله - جل وعلا - ، فالصلاة اسمى العبادات ومعراج المؤمن والجميع منه واليه . وان شئت قل : ان جميع المعروفات هي درجات من سلم الوصول اليه - جل وعلا - وجميع المنكرات هي المانعة من طريق الوصول والعالم كله متحير فيه وفراشة جماله الجميل .
هامش
( 1 ) ( 1 ) عوالي اللآلي 1 : 267 / 66 .