بني ! ان استطعت فانظر نظرة الرحمة والمحبة إلى جميع الموجودات خاصة الناس من خلال التفكر والايحاء إلى نفسك ، أوليس كافة الموجودات هي في معرض رحمة رب العالمين من جهات عديدة لا تحصى ، أوليس وجود الحياة وجميع بركاتها وآثارها هو من مظاهر الرحمة والنعم الإلهية ؟ ، وقد قيل : كل موجود مرحوم « 1 » وهل هناك موجود ممكن الوجود من الممكن ان ان يكون له شيء من نفسه وبنفسه ؟ وفي هذه الحالة فان الرحمة الرحمانية هي التي تشمل العالم . أَوَ ليست تربية الله الذي هو رب العالمين المظهر لرحمته ، وهل الرحمة والتربية تكون شاملة للعالم دون العناية والالطاف ؟ . وبناء على ذلك فلماذا لا يكون الشخص الذي يتعرض للعناية والالطاف والمحبة الإلهية موضع محبتنا ؟ وان لم يكن ، أفلا يكون ذلك نقصا لنا وقصورا في الرؤية ؟ .
ألا فاني أصبحت عجوزا ولم أستطع ان أزيل من نفسي هذه النقيصة وسائر النقائص الأخرى التي لا تحصى ، وأنت شاب وأقرب إلى رحمة الحق وملكوته ، فاسع لان تزيل هذه النقيصة من نفسك . وليوفقك الله تبارك أنت والجميع ونحن إلى أن نزيل هذا الحجاب وان نجد ما تقتضيه فطرة الله . لقد بينت سابقا خلاصة من هذه المقولة ، والآن أشير إليها إشارة عسى ان تساعد على رفع هذا الحجاب .
نحن نعشق الكمال المطلق بمقتضى الفطرة الإلهية ونمتلك ، شئنا أم أبينا ، من هذا العشق ، العشق للكمال المطلق الذي هو من اثار الكمال المطلق ، ونحن نمتلك أيضا شرط هذه الفطرة وهو الهروب من النقص المطلق الذي شرطه الهروب من مطلق النقص . ولهذا هذا فإننا نعشق الحق تعالى الذي يمثل الكمال المطلق حتى وان لم نعرف ذلك ولم ننتبه اليه ، وإذا ما عادينا اي شخص واي شيء وهربنا من اي شخص فانة لا الكمال المطلق ولا مطلق الكمال ، بل النقص المطلق أو مطلق النقص الذي يقف في الطرف المقابل ويناقضه ، ونقيض الكمال عدمه . ولأننا في الحجاب فإننا ضالون في التشخيص وإذا زال الحجاب فان الذي منه - جل وعلا - محبوب وما هو مبغوض ليس منه ، ولهذا فإنه ليس موجودا .
واعلم أن هناك مسامحات في التعبيرات بالنسبة إلى المقابلات ورغم ان الموضوع السابق يوافق البرهات المتين ويتوافق مع الرؤية العرفانية والمعرفة ووردت اليه الإشارة في القران الكريم الا ان تصديقه والايمان به صعبان للغاية والمنكرون كثيرون والمؤمنون قليلون للغاية ، وحتى أولئك الذين يعتبرون هذه الحقيقة ثابتة عن طريق البرهان لا يؤمنون بها الا قليلا وهم مؤمنون ، والايمان بمثل هذه الحقائق لا يحصل الا بالمجاهدة والتفكر والايحاء .
هامش
( 1 ) ( 1 ) فصوص الحكم 1 : 178 ، فص الزكرياوية .